التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
١
-الأنفال

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} إلى قوله: {مُّؤْمِنِينَ}.
قال أبو حاتم: الوقف على {ذَاتَ} بـ: "الهاء"، وكل العلماء قال: بـ: "التاء"؛ لأَنَّها مُضَافَةٌ، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة.
وقرأ سعد بن أبي وقاص: "يسئلونك الأنفال"، بغير {عَنِ}.
والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ فقيل للنبي، صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: هي لله والرسول.
و {ٱلأَنْفَالِ}: الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء.
فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله:
{ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [الأنفال: 41]، الآية.
وقيل: {ٱلأَنفَالُ} هي زِيَادَاتٌ تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين، فهي مُحْكَمَةٌ. وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس.
وقيل {ٱلأَنْفَالِ}: ما شذَّ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن يُنْفِلَ ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحاً. قاله الحسن.
{ٱلأَنفَالُ}: جمع "نَفَلٍ"، و "النَّفَلُ": الغنيمة، سميت بذلك، لأنها تَفَضُّلٌ من الله، عز وجل، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها.
وقوله: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ}، يَدُلُّ على أنهم سألوا لمن هي.
وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}، يَدُلُّ على أن سؤالهم كان بعد تَنَازُعٍ فيها.
وقيل {ٱلأَنْفَالِ}: السَّرايا. قاله علي بن صالح.
وقال مجاهد {ٱلأَنْفَالِ}: الخُمُسُ.
وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، زَادَ قَوْماً لِبَلاَءٍ أَبْلَوْا، فاختلفوا فيها، بعد تَقَضِّي الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أنَّ ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ماضٍ جائز.
وروى ابن عباس (رضي الله عنه)، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:
"من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا" ، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! فأنزل الله، عز وجل: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} الآية.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ شيئاً من الغنائم قبل أن تقسم فامتنع من ذلك، فنزلت: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، فرخّص الله، عز وجل، له أن يعطي مَنْ أَرَادَ.
و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فَأُعْلِمُوا أن ذلك لله والرسول.
و {عَنِ} في موضع: "مِنْ".
وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: "يسئلونك الانفال".
وذكر ابن وهب:
"أنها نزلت في رجلين أصابا سيفاً من النَّفْلِ، فاختصما فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هُوَ لي وَلَيْسَ لَكُمَا، فنزل: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما به النبي صلى الله عليه وسلم" ، / من دفع السيف إليه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} الآية.
وَرُوِيَ أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم،: سعد بن مالك بن وُهَيْب الزُّهري، ورجل من الأنصار، فَأُمِرا في الآية أن يسلماه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك.
وقيل: إن أَهْلَ القُوّة يوم بدر غنموا أكثر مما غنم أَهْلُ الضُّعْفِ، فذكروا ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَتْ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}.
وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فَنَزَلَتْ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}.
"والبَيْنُ" هنا: "الوَصْلُ".
أُمِروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: كونوا مُجْتَمِعِي القُلُوب.
وأُنِثَتْ {ذَاتَ}؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها.
وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حَفَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم، نحن أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، تعالى، الآيات في ذلك.