التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ
٢٤
تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٢٥
وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ
٢٦
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ
٢٧
-إبراهيم

تفسير الجيلاني

{أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي المعتبر الخبير البصير {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {مَثَلاً} لينتبهوا منه بأن شبه {كَلِمَةً طَيِّبَةً} هي كلمة التوحيد القائلة المفصحة بألا وجود لسوى الحق {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} هي النخلة التي {أَصْلُهَا} وعروقها {ثَابِتٌ} في الأرض بحيث لا يقلعها ولا يشوشها الرياح أصلاً {وَفَرْعُهَا} أي: أفنانها وأغصانها مرتفعة {فِي} جانب {ٱلسَّمَآءِ} [إبراهيم: 24].
{تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا} أي: ثمارها {كُلَّ حِينٍ} من الأحيان المعينة للإثمار {بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي: بإرادته ومشيئته؛ يعني: كما أن النخلة تنمو وتثمر بسبب أصلها الثابت في الأرض وفرعها المرتفع نحو السمااء، ويحصل منها الثمر وقت حصولها، كذلك الكلمة الطيبة التوحيدية المستقرة، أصلها في أراضي الاستعدادات الطفرية المرتفعة أغصانها وأفنانها نحو سماء العالم الروحاني، المثمرة لثمرات المكاشفات والمشاهدات، القالعة القامعة لأشواك الكثرات، الناشئة من الإضافات العدمية {وَ} لا حاجة لأولي البصائر والألباب، المنكشفين بصرافة الوحدة الذاتية إلى أمثال هذه التنبيهات، بل {يَضْرِبُ ٱللَّهُ} المطلع لسرائر استعدادات عباده {ٱلأَمْثَالَ} المذكورة {لِلنَّاسِ} الناسين عهودهم ومواثيقم مع الله بُحجب تعيناتهم المستتبعة للإضافات والكثرات {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] رجاء أن يتذكروا ما نسوا من أمثال هذه الأمثال.
{وَ} أيضاً {مَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كلمة الكفر المستتبعة لأنواع الفسوق والعصيان، المخالفة لجادة التوحيد {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي الحنظلة التي {ٱجْتُثَّتْ} أي: أخذت تنمو جثتها {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ} بلا استحكام عرقها في الأرض وتعمقها؛ لذلك {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] إذ أدنى الرياض يقلبها كيف يشاء؛ يعني: كما أن الشجرة الخبيثة الغير المستقرة بقلبها الرياح كيف يشاء كذلك اعتقادات الكفرة والفسقة المقلدة يقلبها أدنى رياح الشكوك والشبهات، وتوقعهم في مهاوي الأوهام والخيالات.
وبالجملة: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} أي: بالإقرار المطابق للاعتقاد {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: حيث بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الحق و ينصرفون عنها {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أيضاً بحيث لا يتلعثمون ولا يضطربون يوم العرض الأكبر، بل في البرزخ أيضاً عند سؤال المنكر والنكير {وَ} كما يثبت المؤمنين بالإيمان كذلك {يُضِلُّ ٱللَّهُ} المذل المضل {ٱلظَّالِمِينَ} الذين خرجوا عن ربقة العبودية عناداً واستكباراً؛ أي: يثبتهم على الضلال إيى حيث لا يفوزون بالفلاح أصلاً، بل صاروا خالدين في النار أبد الآباد {وَ} بالجملة: {يَفْعَلُ ٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {مَا يَشَآءُ} [إبراهيم: 27] من الإهداء والإضلال، والإعزاز والإذلال.