التفاسير

< >
عرض

فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
٧٤
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
٧٥
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ
٧٦
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
٧٧
وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ
٧٨
فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ
٧٩
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ
٨٠
وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
٨١
وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ
٨٢
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
٨٣
فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٨٤
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ
٨٥
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ
٨٦
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ
٨٧
لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
-الحجر

تفسير الجيلاني

{فَجَعَلْنَا} بالزلزلة {عَالِيَهَا} أي: عالي المدينة {سَافِلَهَا} وسافلها عليها؛ يعني: قد قلبنا دُورهم عليهم {وَ} مع ذلك {أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} منعقدة منضمة مركبة {مِّن سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] وهو معرب سنِّك وكل.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإهلاك والتقليب والإمطار {لآيَاتٍ} وعبر {لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] المتأملين المتفرسين، المتعمقين في أنية الأشياء ولميتّها حتى ينكشف عليهم أمرها وسمتها، ولا تترددوا ولا تشكوا أيها السامعون المعتبرون في انقلاب تلك المدينة وتخريبها.
{وَإِنَّهَا} أي: المدينة المذكورة {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} [الحجر: 76] أي: جادة ثابتة يطرقها الناس، ويرون آثارها وأطلالها.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور من قصة إهلاك أولئك الطغاة البغاة، الهالكين في تيه الغفلة والشهوات {لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 77] الخاشعين الخائفين من قهر الله وغضبه، الراجين من عفوه ورحمته.
{وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين المعتبرين أيضاً قصة قوم شعيب عليه السلام {إِن كَانَ} أي: إنه كان {أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ} أي: الغيضة؛ إذ هم يسكنون فيها {لَظَالِمِينَ} [الحجر: 78] خارجين عن حدود الله الموضوعة للعدالة بين عباده، المتعلقة ببخس المكيال والميزان ونقصهما.
وبعدما بالغوا فيها بعثنا إليهم شعيباً عليه السلام فكذبوه، واستهزءوا معه، وأرادوا مقته {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} مثلما انتقمنا من قوم لوط {وَإِنَّهُمَا} أي: أصحاب سدوم والأيكة {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 79] أي: ملتبسين ملتصقين بسبيل واضح، وطريق مستقيم مستبين ظاهر لائح، جاء به كل نبي منهم، فكذبوه عتواً وعناداً، فأُخذوا بما أخذوا.
{وَلَقَدْ كَذَّبَ} أيضاً مثل تكذيبهما {أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ} وهو وادٍ بين المدينة والشام يسكن فيها ثمود {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الحجر: 80] يعني: صالحاً القائم مقام جميع الأنبياء باعتبار اتحاد المرسل به، وهو الدعوة إلى توحيد الحق، وذلك حين بعثنا إليهم بعدما خرجوا عن حدود الله، وانحرفوا عن جادة توحيده.
{وَ} أيدنا أمره بأن {آتَيْنَاهُمْ} معه {آيَاتِنَا} الدالة على توحيدنا {فَكَانُواْ} من نهاية عتوهم وعنادهم {عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الحجر: 81] بحيث لا يقبلونها أصلاً.
{وَ} من عاتهم المستمرة بينهم أنهم {كَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} يسكنون فيها {آمِنِينَ} [الحجر: 82] من اللصوص، وأنواع المؤذيات والحشرات.
ولما لم يبالوا بالآيات والرسول، وتمادوا على غيهم وضلالهم الذي كانوا عليه انتقمنا منهم {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ} الشديدة الهائلة، وهم حينئذٍ {مُصْبِحِينَ} [الحجر: 83] داخلين في الصباح، كقوم لوط، فأُهلكوا بالمرة.
{فَمَآ أَغْنَىٰ} ودفع {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الحجر: 84] من الأموال والأمتعة، والعُدد الكثيرة، والحصون المنيعة، والأبنية الوثيقة المشيدة شيئاً من عذاب الله ونكاله.
ثمَّ قال سبحانه قولاً دالاً على كمال قدرته ومشيئته، ولطفه وقهره، وإنعامه وانتقامه تنبيهاً على ذوي البصائر الاعتبار المتفكرين في خلق الله، وإيجاده وإعدامه، واستقلال تصرفاته في ملكه وملكوته: {وَمَا خَلَقْنَا} وقدرنا {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وما فيها من الآثار والمؤثرات العلوية {وَٱلأَرْضَ} وما عليها من المتأثرات السفلية {وَمَا بَيْنَهُمَآ} من الكائنات والفاسدات الحادثة في الجو باطلاً عبثاً لا عبرة لها ولا اعتبار لإظهارها وظهورها، بل ما خَلَقْنَا مَا خَلَقْنَا {إِلاَّ} ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المثبت لأصحاب الدلائل والبراهين، وتوحيد الحق الثابت المحقق لأرباب الكشف واليقين.
{وَ} اعلموام أيها العقلاء والمكلفون المعتبرون {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة لانقهار التعينات، واضمحلال التشكلات {لآتِيَةٌ} جزماً بلا تردد وشبهة فيجازي فيها كل على مقتضى ماكسبت في عالم التعينات والتطورات، وإذا كان الكل مجازون بأعمالهم، مسئولون عنها {فَٱصْفَحِ} يا أكمل الرسل، وأعرض عن انتقام من يؤذيك ويريدك {ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} [الحجر: 85] أي: الإعراض المستحسن عند الطباع، واحلم معهم، والطف عليهم.
{إِنَّ رَبَّكَ} الذي ربَّاك بأنواع اللطف والكرم، واصطفاك من بينهم بأصناف الفضائل والكمالات {هُوَ ٱلْخَلاَّقُ} لهم ولأعمالهم {ٱلْعَلِيمُ} [الحجر: 86] المميز المبالغ في التمييز بين صالحها وفاسدها، يجازيهم على مقتضى علمه وخبرته.
{وَ} لا تبال يا أكمل الرسل بهم، وبما عندهم من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية، ولا تحزن على أذاهم، فإنا من مقام جودنا وفضلنا {لَقَدْ آتَيْنَاكَ} وأعطيناك تتميماً لتكريمك وتعظيمك {سَبْعاً} أي: سبع آيات {مِّنَ ٱلْمَثَانِي} أي: الفاتحة التي تثني نزولها تارة بمكة، وتارة بالمدينة على عدد الصفات السبع الإلهية؛ ليكون لك حظ من جيمعها، والسبع الطباق الفلكية والكواكب السبعة، والأقاليم السبعة الأرضية، والمشتهيات السبعة الدنيوية المذكورة في كريمة:
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ } [آل عمران: 14] لتكون عوضاً عنها، والأدوية السبعة الجهنمية؛ لتكون منجية منها، فتكون الفاتحة أعظم وأولى من الدنيا وما فيها.
{وَ} مع ذلك لا تقتصر عليها، بل آتيناك {ٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} [الحجر: 87] الجامع لفوائد ما في الكتب السالفة، الناسخ لها، المعجز لجميع من أتى بمعارضته ومقابلته.
فعليك بعدما اصطفيناك يا أكمل الرسل من بين سائر الأنبياء بأمثال هذه الكرامات أن {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} نحوهم، ولا تنظر نظر متحسر راغب، بل نظر معتبر كاره {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من الزخارف {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي: أصنافاً من الأمتعة معطاه منها للكفرة ابتلاءً لهم، بحيث صاروا بها مفتخرين، بطرين بين الناس {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} بعد اتباعهم لك وإيمانهم بك؛ إذ هذه المزخرفات الدنية تحجبهم عن الإيمان، وتعوقهم عن العرفان؛ لأنهم مفتونون بها {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ} وابسطها كل البسط {لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 8] الذين يتبعونك عن خلال القلب، وصفاء القريحة بلا شوب الرياس والسمعة، وشين الأهوية الفاسدة.