التفاسير

< >
عرض

وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
١٦
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
١٧
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
٢٠
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٢١
إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
٢٢
لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ
٢٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٤
لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٢٥
قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٦
-النحل

تفسير الجيلاني

{وَ} نصب لكم {عَلامَاتٍ} دالة على مقاصدكم في البوادي والبراري بالتلال والوهاد {وَ} في البحار {بِٱلنَّجْمِ} أي: بالنجوم المتعارفة عند البحارين؛ إذ {هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] بها حين وقوعهم في لجج البحار، كل ذلك من الدلائل الدالة على وحدة الفاعل المختار، المتصف بجميع أوصاف الكمال، المنزه عن مشاركة الأضداد والأمثال، مبدع المخلوقات من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان، ومخترع الكائنات بلا علل وأعراض على سبيل الفضل والإحسان.
{أَ} تشركون مع الله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لا شيء في الوجود سواه، ولا إله إلاَّ هو، يخلق ما يشاء على مقتضى جوده ورحمته، من لا يخلق شيئاً، بل هو من أدون المخلوقات {فَمَن يَخْلُقُ} أيها الحمقى {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} في الرتبة واستحقاق العبادة، لوم يتفطنوا بالفرق بينهما مع جلائه وظهوره، مع أنكم من زمرة العقلاء {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] فطرتكم المجبولة على العلم والتمييز؟!.
{وَ} كيف تشركون مع الله المنعم المفضل، مع أنكم {إِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} الفائضة عليكم، وآلاءه الواصلة إليكم {لاَ تُحْصُوهَآ} لكثرتها ووفورها، ومع ذلك أشركتم معه غيره، وكفرتم بنعمه، مع أن المناسب لكم الرجوع إليه، والإنابة نحوه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {لَغَفُورٌ} لمن تاب وآمن، وعمل صالحاً {رَّحِيمٌ} [النحل: 18] يقبل توبتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم لو أخلصوا.
{وَٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {يَعْلَمُ} منهم {مَا تُسِرُّونَ} في قلوبكم بلا موافقة ألسنتكم {وَمَا تُعْلِنُونَ} [الحل: 19] بألسنتكم بلا مطابقة قلوبكم، فعليكم أيها المؤمنون المنيبون أن تنيبوا نحو الحق سراً وعلانية حتى لا تكونوا من المنفاقين المخادعين مع اللهز
{وَ} اعلموا أيها المشركون المكابرون أن {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المعبود بالحق آلهةً، وتعبدونها إفكاً كعبادته سبحانه، مع أنهم لا يستحقون الألوهية؛ إذ {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} حقيراً، وكيف بالعظيم، بل {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] مخلوقون.
بل هم من أدون المخلوقات؛ لأنهم {أَمْواتٌ} أي: جمادات لا شعور لها أصلاً؛ لأنهم {غَيْرُ أَحْيَآءٍ} أي: غير ذي حس وحركة إرادية {وَ} كذلك {مَا يَشْعُرُونَ} شعور الحيوانات {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 21] أي: إلى أن يحشرون ويساقون من المرعى، فهم في أنفسهم أدى وأخص من الحيوانات العجم، فيكف تتأتى منهم الألوهية المستلزمة للاطلاع على جميع المغيبات الجارية في العوالم كلها اطلاع حضر وشهود؟!.
بل {إِلٰهُكُمْ} الذي أوجدكم من كتم العدم، وأظهركم في فضاء الوجود {إِلٰهٌ وَاحِدٌ} أحد صمد، لم يكن له كف، ولا شريك
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11]، إنما يظهر وينكشف توحيده سبحانه لأولي العزائم والنهي، من أرباب المحبة والولاء في النشأة الأولى والأخرى {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} المعدة لشرف اللقاء {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} بلقاء الله فيها {وَهُم} من شدة شكيمتهم، وكثافة حجبهم مع إنزال الكتب المبينة لأحوالها وأهوالها، والرسل المنبهين لهم عليها {مُّسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22] مترددون عتواً وعناداً.
لذلك {لاَ جَرَمَ} أي: حقاً على الله يعذبهم، مع {أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائرهم وضمائرهم {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} من الكفر والضلال، فيجازيهم على مقتضى علمه بحالهم، ولا يحسن إليهم سبحانه بدل إستاءتهم؛ لأنهم مستكبرون {إِنَّهُ} سبحانه {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23] لاشتراكهم معه سبحانه في أخص أوصافه؛ إذ الكبرياء مخصوص به، لا يسع لأحد أن يشارك معه فيه.
{وَ} من غاية عتوهم واستكبارهم {إِذَا قِيلَ لَهُمْ} على سبيل الاستفسار: {مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} على نبيكم {قَالُواْ} على سبيل التهكم والاستهزاء: ما أنزل ربه إلاَّ {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [النحل: 24] أي: الأكاذيب والأرجفة التي سطرها الألولون فيما مضى من تلقاء نفوسهم.
وإنما قالوا ذلك وشاعوا به بين الأنامه {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ} وآثامهم {كَامِلَةً} بلا تخفيف شيء منها ولا نقصانٍ؛ ليؤاخذوا عليها {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَ} يحملوا أيضاً {مِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} من ضعفاء الناس بقولهم هذا إياهم، مع أنهم خالية الأذهان {بِغَيْرِ عِلْمٍ} يتعلق منهم بالقبرآن وإعجازه، ومع ذلك لا يعذرون؛ لعدم التفاتهم إلى التأمل والتدبر حتى يظهر عليهم حقيته وبطلان قولهم {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [انحل: 25] المضلون بضلالهم، والضالون بضلالهم، وعدم تأملهم وتدبرهم، مع أنهم مجبولون على التأمل والتدبر.
هذا التكذيب والإضلال، والتهكم والاستهزاء من الأمور الحادثة بين أولئك الهالكين في تيه الشرك والطغيان، بل من ديدنهم القديمة، وعادتهم المستمرة؛ إذ {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِنْ قَبْلِهِمْ} واحتالوا لإضلال العوام، وبنوا أبنية رفيعة للصعود إلى السماء، والمقاتلة مع سكانها وإلهها، ثمَّ لما تم بنيانهم وقصورهم {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ} أي: أتى أمره سبحانه بإهلاكهم وتعذيبهم بهدم بنائهم {مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} والأعمدة والأساس التي بُنيت عليها البناء، فتضعضعت وتحركت الدعائم {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} وهم تحته متمكنون مترفهون، فهلكوا {وَ} بالجملة: {أَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} بغتةً {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] أماراتها قبل نزوله.