التفاسير

< >
عرض

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً
٣٥
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً
٣٦
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً
٣٧
لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً
٣٨
وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً
٣٩
فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً
٤٠
أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
٤١
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
٤٢
وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً
٤٣
هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً
٤٤
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً
٤٥
-الكهف

تفسير الجيلاني

{ وَ } من شدة بطره وخيلانه: { دَخَلَ } يوماً { جَنَّتَهُ } التي ذكر وصفها { وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } بعرضها على عذاب الله وأنواع عقابه بكفره بالله، وبطره بحطام الدنيا، وإعجابه على نفسه اتكالاً على ثروته وجاهه وكثرة أعوانه وأنصاره { قَالَ } من طول أمله وحرصه وشدة غروره وغفلته: { مَآ أَظُنُّ } بل ما أشك وأوهم { أَن تَبِيدَ } أي: تنهدم وتنعدم { هَـٰذِهِ } الجنة { أَبَداً } [الكهف: 35] بل هي على هذا القرار والنضارة دائماً.
{ وَ } أيضاً { مَآ أَظُنُّ } وأعتقد { ٱلسَّاعَةَ } الموعودة التي أخبر بها أصحاب الدعاوي من الأنبياء والرسل { قَائِمَةً } آتيةٌ البتة بلا تردد وشك حتى تنهدم وتنعدم هذه بانعدام العالم وانقراضها { وَلَئِن رُّدِدتُّ } هبني أن فرضتُ وقدّرتُ قيام الساعة وانقضاء النشأة الدنياوية على ما زعموا وبُعثتُ من قبري على الوجه الذي ادعو وَرُددتُ { إِلَىٰ رَبِّي } للحساب والجزاء وعرض الأعمال وتنقيدها { لأَجِدَنَّ } ألبتة جنةً في العقبى { خَيْراً مِّنْهَا } أي: من هذه الديناوية فآخذُها { مُنْقَلَباً } [الكهف: 36] أي: مرجعاً ومنزلاً كما أخذتُ هذه في الدنيا، وإنما يقول ذلك على سبيل الاستهزاء والاستخفاف، يعني: إني حقيق حريُ بتلك المرتبة في الدنيا والآخرة، إن فُرض وجودها، فأنا حري بذلك فيها أيضاً.
ثم لما تمادى في المباهاة والمفاخرة، وتطاول كلامه في الغفلة والغرور والإنكار على الله وكمال قدرته وقوته، وسرعة نفوذ قضائه وحكمه المبرم متى تعلق إرادته { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ } المؤمن { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } على سبيل العظة والتذكير وأنواع التسفيه والتعبير: { أَكَفَرْتَ } وأنكرتَ أيها المفسد الطاغي { بِٱلَّذِي خَلَقَكَ } أي: قدّر أولاً مادتك { مِن تُرَابٍ } خسيسٍ مزدولٍ إلى أن صرتَ بكثرة التبدلات والتغييرات نطفةٌ مهينةٌ { ثُمَّ } قدّرها ثانياً { مِن نُّطْفَةٍ } دنيئةٍ يستحقرها بل يستخبثها جميع الطباع { ثُمَّ سَوَّاكَ } منها وعد لك شخصاً سوياً سالماً وربَّاك بأنواع اللطف والكرم إلى أن صرتَ { رَجُلاً } [الكهف: 37] رشيداً عاقلاً بالغاً كافلاً للأمور والوقائع، كافياً لإحداث الغرائب والبدائع، وافياً في جميع المضارّ والمنافع.
ثم كلفك بالإيمان والمعرفة والإتيان بالأعمال الصالحة والإذعان بالنشأة الأخرى، وما يترتب عليها من العرض والحساب والسؤال والجزاء وجميع المتعقدات الأخروية، فاستنكرتَ واستكبرت إلى أن كفرتَ عناداً ومكابرةً، فستعرف حالك فيها أيها الطاغي الباغي المستحقُ لأنواع العذاب والعقاب { لَّٰكِنَّاْ } أي: لكن أنا لا أكفر وأنكر مثلك ربي الذي أظهرني من كتم العدم ولم ألك شيئاً مذكوراً، وقدّر مادتي من التراب الأدنى والأرذل من المني الأخس الأنزل، ثم عدَّلني وسواني رجلاً رشيداً كاملاً في العقل الرشد؛ لأعرف ذاته فأعبده، وأشكر نعمه، وأؤدي حقوق كرمه، وأتوجه نحوه، وأتضرع إليه، وأصدق رسله وكتبه وجميع ما فيها من الأمور والنواهي والمعتقدات التي وجب الاعتقاد بها من الأمور المتعلقة بالنشأة الأولى والأخرى.
فكيف أنكره وأكفر بنعمه وأنسى حقوق لطفه وكرمه؛ إذ { هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي } وربُّ جميع من في حيطة الوجود من الأظلال والعكوس، وهو المستقل في الوجود والألوهية والربوبية، وهو المتوحد المتفرد بالقيومية والديمومية { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي } الذي ربَّاني بأنواع اللطف والكرم { أَحَداً } [الكهف: 38] سواه؛ إذ لا شيء في الوجود إلا هو.
{ وَلَوْلاۤ } أي: هلا وقت { إِذْ دَخَلْتَ } أيها المدبر العاقل { جَنَّتَكَ } التي افتخرت بها { قُلْتَ } بدل قولك: { مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً } [الكهف: 35] { مَا شَآءَ ٱللَّهُ } أي: ما شاء وأراد دوامها تتأبد وما لم يشأ لم تتأبد؛ إذ { لاَ قُوَّةَ } ولا قدرة للتأبيد والتخريب { إِلاَّ بِٱللَّهِ } أصالةً وحقيقةً، وأنت أيها الكافر المسرف المنكر { إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً } [الكهف: 39] فعيرتني وعرضت عليّ أولادَك وزخارفَك بطراً وبوحاً، مع أني أكثر منك إيماناً وعرفاناً وثقةً على الله واتكالاً.
{ فعسَىٰ رَبِّي } وأرجو من كمال فضله وجوده { أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً } أي: أزريد حسناً وبهاءً وأكثرَ بركةً ودخلاً { مِّن جَنَّتِكَ } التي تتفوق وتتفضل بها ليّ؛ إذ هو القادر على كل ما أراد وشاء { وَيُرْسِلَ } بغتةً { عَلَيْهَا } أي: على جنتك { حُسْبَاناً } أي: صواعقَ نازلةً ليلاً { مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فحرَّقتُها وخرَّبتُها واستأصلتها { فَتُصْبِحَ } أنت وترى { صَعِيداً } تراباً { زَلَقاً } [الكهف: 40] ملساء لا تثبت فيها قدمُ ولا تنبت فيها نباتاً.
{ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا } الجاري في خلالها { غَوْراً } غائراً عميقاً؛ بحيث لا يمكن سقيها منه أصلاً لغاية غوره وعمقه { فَلَن تَسْتَطِيعَ } وتقدر { لَهُ طَلَباً } [الكهف: 41] بالكفر والحيل وأنواع التدابير.
فأعطى سبحانه المؤمن ما أمِله وأراده تفضلاً عليه وامتناناً له: { وَ } أرسل على بستان الكافر صواعقَ نازلةً من السماء كثيرة إلى حيث { أُحِيطَ بِثَمَرِهِ } وعمّت الإهلاك والاستئصال جميع ما فيها من الثمار، فلم يبقَ الانتفاع بها أصلاً، وذهب ماؤها وبهاؤها واضحملت نضارتها وصفاؤها { فَأَصْبَحَ } الكافر { يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ظهراً لبطن تلهفاً وتأسفاً { عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا } أي: في تعميرها وإنشائها من الأموال والعظام { وَهِيَ } أي: لجنة { خَاوِيَةٌ } ساقطةُ { عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي: عروشها على الأرض والكروم عليها محرقةُ جميعها { وَيَقُولُ } الكافر حينئذ بعدما أفاق عن سكر الغرور والغفلة، وتفطن على منشأ الصدمة والصولة الإلهية نادماً متحسراً: { يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 42] تعنتاً واستكباراً حتى لا يلحق عليّ ما لحقني من الوبال والنكال.
{ وَلَمْ تَكُن لَّهُ } حينئذ { فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ } على مقتضى مباهاته ومفاخرته بالأعوان والأنصار من بأس الله وأخذِه بل لا ناصرَ له { مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي: استنصر منه، واستغفر عما صدر عنه من الجراءة والجرائم فقد نصرَه وعفا عنه وإن عظمت زلته { وَمَا كَانَ } أيضاً بنفسه على مقتضى استبداده وثروته { مُنْتَصِراً } [الكهف: 43] مخلّصاً مُنْجِياً نفسه عن امثال عن أمثال هذا النكال.
بل: { هُنَالِكَ } وفي تلك الحالة وأمثال تلك الواقعة { ٱلْوَلاَيَةُ } أي: النصر والاستيلاء، والغلبة والاستعلاء، والعظمة والكبرياء، والتعزز والاستغناء { لِلَّهِ ٱلْحَقِّ } الثابت القيوم المطلق، الحقيق بالحقية والقيومية، الجدير بالبسط والديمومية، ولذلك { هُوَ } سبحانه بذاته وبمقتضى ألوهييته وربوبيته { خَيْرٌ ثَوَاباً } في النشأة الأخرى لأوليائه، وأفضلُ عطاءً لأحبائه وأُمنائه { وَخَيْرٌ عُقْباً } [الكهف: 44] لانتقام أعدائه انتصاراً لأوليائه.
{ وَٱضْرِبْ لَهُم } أي: اذكر يا أكمل الرسل للمائلين إلى الدنيا ومزخرفاتها ومستلذاتها الفانية الغير قارة، المستتبعة لأنواع الآثام والعصيان، المستلزمة لغضب الله وسخطه ومثّل لهم { مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } وانقضائها وفنائها سريعاً { كَمَآءٍ } أي: مثله مثل ماء { أَنْزَلْنَاهُ مِنَ } جانب { ٱلسَّمَاءِ } إظهاراً لكمال قدرتنا وعجائب صنعتنا وبدائع حكمتنا { فَٱخْتَلَطَ بِهِ } أي: تكاثف وغلظ بسببه { نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } وصار في كمال الطراوة والنضارة والحسن والبهاء إلى حيث يعجب منها أبصار أولي الألباب والاعتبار، ثم يبس من حر الشمس وبرد الهواء { فَأَصْبَحَ هَشِيماً } مهشوماً متفرق الأوراق متفتتَ الأجزاء إلى حيث { تَذْرُوهُ } أي: تثيره وتطيره { ٱلرِّياحُ } كيف يشاء { وَكَانَ ٱللَّهُ } القادر المقتدر بالقدرة الكاملة التامة { عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ } من قدوراته ومراداته { مُّقْتَدِراً } [الكهف: 43] كاملاً؛ بحيث لا تنتهي قدرته لدى المراد، بل له التصرف فيه على ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.