التفاسير

< >
عرض

ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً
٤٦
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
٤٧
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً
٤٨
وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
٤٩
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً
٥٠
مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً
٥١
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً
٥٢
وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً
٥٣
-الكهف

تفسير الجيلاني

ومتى سمعتَ وعلمتَ حال حياة الدنيا ومآل أمرها وعاقبتها، وانكشفتَ بعدم ثباتها وقرارها فمعظم ما يتفرع عليها: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ} إذ هما {زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الفانية عارضان عليها، ومتى لم يكن للمعروض دوامُ وبقاءُ، فللعارض بالطريق الأولى {وَٱلْبَاقِيَاتُ} التي تبقى معك في أولادك وأخراك {ٱلصَّالِحَاتُ} المقربةُ إلى الله المقبولةُ عنده، المترتبةُ عليها النجاةُ من العذاب والنيلُ إلى الفوز بالفلاح {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي: أجراً وجزاءٌ حسناً من اللذات الروحانية المودعة لأرباب القبول {وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46] أي: عاقبةًً ومآلاً؛ إذ يُنال بها المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات المودعة لأرباب العناية وأصحاب القلوب من الراجين المؤملين شرف لقاء الله والفوز بمطالعة وجهه الكريم.
{وَ} أذكر يا أكمل الرسل للناسين عهودَ الله ومواثيقَه {يَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} وتحركها بالقدرة الكاملة والسطوة الهائلة، ونفتت أجزاءها، وتحلل تراكيبها، ونشتتها إلى أن صارت دكّاً {وَتَرَى} أيها الرائي {ٱلأَرْضَ} المملوءة بالجبال الرواسي الحاجبة عما وراءها {بَارِزَةً} ظاهرةً ملساءَ مسوى لا ارتفاعَ لبعض أجزائها على بعضٍ، مظهرةً لما فيها من الأجساد المدفونة {وَ} بعد ظهورهم منها، وبروز الأجداث والأجساد عليها {حَشَرْنَاهُمْ} وجمعناهم بأجمعهم حفاةً عراةً إلى الموقف والموعد المعدّ للعرض والجزاء {فَلَمْ نُغَادِرْ} ولم نترك {مِنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 47] لا نسوقه إلى المحشر.
{وَ} بعدما جمعوا واجتمعوا في المحشر جميعاً {عُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل عرضَ العسكر على السلطان الصوري {صَفَّاً} صافين مصفَّفين على الاستواء؛ بحيث لا يحجب أحدٌ أحداً، بل كل واحد في مرأى منه سبحانه بلا سترةٍ وحجابٍ، ثم يقال لهم من قِبل الحق على سبيل الاستيلاء والسطوة، وإظهار الهيبة والسلطنة القاهرة الغالبة: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} اليوم حفاةً عراةً {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} كذلك؛ أي: في بدء وجودكم وظهوركم {بَلْ} كنتم {زَعَمْتُمْ} وظننتم فيما مضى من شدة بطركم وغفلتكم {أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} [الكهف: 48] أي: لن نقدر على أنجاز ما وعدناكم بألسنة رسلنا من البعث والحشر والعرض والجزاء، بل كذَّبتم الرسلَ وأنكرتم الوعدَ والموعودَ جميعاً، فالآن ظهر الحق الذي كنتم تمترون فيه.
{وَ} بعدما عُرضوا صافين على الوجه المذكور {وُضِعَ ٱلْكِتَابُ} المشتمل على تفاصيل أعمالهم وجميع أحوالهم وأطوارهم، من بدء فطرتهم إلى انقراضهم من النشأة الاولى والمعدَّة لكسب الزاد للنشأة الأخرى بين يدي الله على رءوس الملأ {فَتَرَى} أيها الرائي {ٱلْمُجْرِمِينَ} حينئذ {مُشْفِقِينَ} خائفين مرعوبين {مِمَّا فِيهِ} أي: في الكتاب قبل القراءة عليهم {وَ} بعدما قُرئ عليهم، وسمعوا جميعَ ما صدر عنهم كائنةً مكتوبةً فيه على التفصيل بلا فوت شيءٍ {وَيَقُولُونَ} متحسرين متمنين الموت، مناجين في نفوسهم، منادين: {يٰوَيْلَتَنَا} وهلكتنا أدركينا فهذا وقت حلولك ونزولك {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ} العجيب الشأن الجامع لجميع فضائحنا وقبائحنا؛ بحيث {لاَ يُغَادِرُ} ولا يترك فضيحة {صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} فصَّلها وعدَّدها بلا فوتِ خصلةٍ منها.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: القهقهة.
{وَ} بالجملة: {وَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ} من الخير والشر والذميمة والحميدة {حَاضِراً} ثابتاً مكتوباً بلا نقصانٍ منها ولا زيادةٍ عليها، وكيف لا يكون كذلك؛ إذ {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {أَحَداً} [الكهف: 49] من عباده لا بالزيادة ولا بالنقصان ولو قدر نقير.
ثم لما كان منشأ جميع الشرور والغرور، وأنواع الفتن والغفلات، وأصناف الشكوك والكفر والضلالات إبليسَ. عليه اللعنة. كرر سبحانه قصة استكباره واستنكاره مراراً تذكيراً للمتعظين وتنبيهاً على الغافلين المغرورين؛ ليكونوا على ذُكْرٍ منه. بضمٍ فسكون، أي: تذكُّرٍ وتفكرٍ. من غوائله وتسويلاته؛ ليتمكن لهم الحذرُ عن وساوس أعوانه وأنصاره التي هي جنود الأوهام والخيالات الباطلة والأماني الكاذبة الناشئة من صولة الأمَارة المستولية على القوى الروحانية.
فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} أي: اذكر لهم وقت قولنا للملائكة المعترضين لنا على اصطفائنا آدم للخلافة والنيابة بعد إفحامنا، والزامنا إياهم بما ألزمناهم {ٱسْجُدُواْ} أي: تواضعوا وتذللوا على وجه الخضوع والانكسار {لأَدَمََ} النائبِ المستخلف عنا بعدما ظهر عنكم، وعليكم فضلُه وشرفُه واستحقاقُه لأمر الخلافة {فَسَجَدُوۤاْ} بعدما سمعوا متذليين امتثالاً للأمر الوجوبي {إِلاَّ إِبْلِيسَ} منهم أبى، ولم يسجد له معللاً بأنواع العلل والجدالات الباطلة الناشئة من خباثة فطرته على ماسمعت غير مرةٍ.
وإنما امتننع؛ لأنه {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} في أصل خِلقته، فلحق بالملائكة لحكمةٍ ومصلحةٍ {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} على مقتضى خِلقته الأصلية {أَفَتَتَّخِذُونَهُ} أيها المغرورون بتغريره، والمأملون إلى تلبيسه وتزويره بعدما صدرتْ عنه هذه العداوة الظاهرة {وَذُرِّيَّتَهُ} المختلطة معكم المرتكزة في نفوسكم، وقواكم اللاتي هي أعدى أعدائكم {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} بحيث نفوضون أموركم إليها؛ ليوالوها لكم {وَهُمْ} أصلهم وفرعهم {لَكُمْ عَدُوٌّ} قديمُ مستمرُ {بِئْسَ} الشيطان وذريته، وولايتهما {لِلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى أوامرنا ونواهينا {بَدَلاً} [الكهف: 50] عنَّا وعن ولايتنا إياهم.
وعن يحيى بن معاذ رضي الله عنه: لا يكون من أولياء الله، ولا يبلغ مقام الولاية مَنْ نَظَرَ إلى شيءٍ دونه واعتمد على سواه، ولم يميز بين معاديه ومواليه، ولم يعلم حال إقباله من حال إدباره. انتهى.
فكيف تتخذون أيها الحمقى المسرفون إبليسَ وذريتَه أولياءَ من دوني مع أني {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ} وأحضرتهم إبليسَ وجنودَه {خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: وقت خلقهما وإيجادهام؛ ليُعاونوا ويظاهروا عليّ حتى تتخذونهمه أولياء غيري، شركاءَ معي في استحقاق العبادة {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أيضاً؛ أي: لا أحضرُ بعضهم عند خلق بعضٍ منهم.
{وَ} بالجملة: أنا أستقل بالخلق والإيجاد بل في الوجود أيضاً؛ لذلك {مَا كُنتُ} في خلق الأشياء وإيجادها محتاجاً إلى المعين والظهير أصلاً، فيكف {مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ} الضالين عن ساحة عزِّ الحضور {عَضُداً} [الكهف: 51] أعواناً وأنصاراً أعتَضِدُ وأنتصرُ بهم حتى تشاركونهم بي في استحقاق العبادة والإطاعة والانقياد بل ترجّحونهم عليّ بالولاية والمحبة.
{وَ} اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ يَقُولُ} الله سبحانه على سبيل التعبير والتقريع للكفار والمشركين: {نَادُواْ} أيها المنهمكون في الغيّ والضلال {شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شفعاؤكم اليوم، وعبدتم لهم مثل عبادتي بل أحسن منها حتى ينقذوكم من عذابي، ويشفعوا لكم عندي {فَدَعَوْهُمْ} صارخين مستغيثين {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} ولم يجيبوا استغاثتهم؛ لأنهم حينئذٍ مشغولون بحالهم، مأخوذون بوبالهم ونكالهم، لذلك لا يلتفتون إليهم {وَ} مع ذلك {جَعَلْنَا بَيْنَهُم} أي: بين العابدين والمعبودين {مَّوْبِقاً} [الكهف: 52] مهلكاً عظيماً ووادياً غائراً عميقاً من أودية جهنم مملوءة بالنار؛ بحيث لا يمكن تواصلهم أصلاً.
{وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} بعدما عُرضوا أو حُوسبوا، وسِيقوا نحو جهنم؛ ليُعذبوا فيها كلٌ على مقتضى ما كسبَ من المعاصي والآثام الموجبة للأخذ والانتقام {فَظَنُّوۤاْ} بل تيقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} داخلوها وملاصقوهها ألبتة {وَ} وكيف لا يجزمون بالدخول واللصوف أنهم {لَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} [الكهف: 53] أي: منصرفاً ومعدِلاً سواها، ينصرفون إليه مع أن الموكلين من الملائكة يسوقونهم، ويدخلونهم فيها زجراً وقهراً.