التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
١١
أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ
١٢
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ
١٣
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
١٤
ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
١٦
-البقرة

تفسير الجيلاني

{وَ} مع ظهور حالهم وخداعهم عند الله وعند المؤمنين {إِذَا قِيلَ لَهُمْ} إمحاضاً للنصح: {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بتكذيب كتاب الله ورسوله المنزل عليه حتى لا يخرجوا من مرتبة الخلافة؛ لأن خلافة البشر إنما هي بالتوحيد وإسقاط الإضافات، والتوحيد إنما يحصل بالله وبكتابه ورسوله { قَالُوۤاْ} في الجواب على سبيل الحصر: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] لا نتجاوز من الصلاح أصلاً تتميماً لخداعهم الفاسد، وترويجاً له على المؤمنين وتلبيساً.
{أَلاۤ} أيها المؤمنون الموقنون بكتاب الله المصدقون لرسوله {إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} المقصرون على الفساد، لا يرجى صلاحهم أصلاً؛ لكونهم مجبولين على الفساد {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] بمشاعرهم لغشاوة قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم.
{وَ} إذا لطف معهم ونصح كما هو دأب الأنبياء والمرسلين و{إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} بالله وبكتابه ورسوله {كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} الذين نسوا مزخرفات آبائهم بالإيمان بالله وبكتابه ورسوله، وفازوا في الدارين فوزاً عظيماً بسبب الإيمان {قَالُوۤاْ} في الجواب توبيخاً وتقريعاً: {أَنُؤْمِنُ} بهذا الرجل الحقير الساقط، وبهذه الأساطير الكاذبة ونترك دين آبائنا {كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} التاركون دين آبائهم لغرور هذا المدعي المفتري؟ {أَلاۤ} أيها المبعوث لإهداء المضلين المجبولين على الهداية في أصل فطرتهم {إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} المجبولون على الغوية في بدء الفطرة لا يمكنك هدايتهم أصلاً؛ لعدم قابليتهم واستعدادهم للإيمان {وَ} إن ظنوا في زعمهم من العقلاء {لَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] أصلاً لتركب جهلهم المركوز في جبلتهم، فيسلب قابليتهم للإيمان.
{وَ} علامة نفاق هؤلاء المضلين وخداعهم أنهم {إِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وكتابه ورسوله {قَالُوۤا} على طريق الإخبار عن الأمور المحققة تروجياً وتغريراً على المؤمنين {آمَنَّا} بالجملة الفعلية الماضية بلا مبالغة وتأكيد لحكمهم سفاهة المؤمنين، بأن السفيه يقبل الأخبار بلا تأكيد؛ لعدم تفطنه على إنكار المتكلم، فنزلوهم - وإن كان من حقهم الإنكار حقيقة - منزلة خالي الذهن؛ لسفاهتهم {وَإِذَا خَلَوْاْ} نفوا خالين {إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} أي: مع أصحابهم المستمرين على الكفر، الظاهرين بالمخالفة بلا خداع ولا نفاق كالشيطان المصر على الضلال المستمر على الإضلال {قَالُوۤاْ} على طريق المبالغة والتأكيد قلعاً لما اعتقدوا من ظاهر حالهم ومقالهم وموافقتهم مع المؤمنين سراً وجهراً، وتحقيقاً لمؤاخذتهم معهم {إِنَّا} وإن كنا في الظاهر مداهنين معهم لمصلحة دنيوية، متفقون {مَعَكُمْ} لفائدة دينية، أتوا بالجملة الاسمية المصدرة بأن؛ تحقيقاً واهتماماً، وقولنا: آمنا، استهزاء منا إياهم لا تصديق لمدعاهم، وبالجملة ما نحن مؤمنون بمجرد هذا القول بل {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14] مستخفون تجهيلاً وتسفيهاً واعتذاراً على مجرد القول الكاذب الغير المطابق للاعتقاد والواقع. وهم في غاية انهماكهم في الغي والضلال، وهم مقرون جازمون بأنهم يستهزئون، بل هم في الحقيقة مستهزئون إذ: {ٱللَّهُ} المحيط بجميع مخايلهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} في كل لحظة وطرفة آناً فآناً {وَ} لم يشعرهم باستهزائه بل {يَمُدُّهُمْ} يمهلهم ويسوفهم {فِي طُغْيَانِهِمْ} المتجاوز عن الحد في الضلالة بتلبيس الأمر على الله وعلى المؤمنين {يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] يترددون إقداماً وإحجاماً. {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء عن طريق الهداية هم {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} استبدلوا واختاروا {ٱلضَّلَـٰلَةَ} المعززة في نفوسهم بتقليد آبائهم {بِٱلْهُدَىٰ} المتفرعة على الإيمان بالله وبرسوله {فَمَا رَبِحَتْ} بهذا الاستبدال والاختيار {تِّجَارَتُهُمْ} أي: ما يتجرون به {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] رابحين بسبب الاستبدال، وخاسرين ضالين به. أو يقال: فما يتم الربح {تِّجَارَتُهُمْ} اتجارهم {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} بسبب هذا الاتجار.