التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
٢
ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
٣
وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
٤
أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٥
-البقرة

تفسير الجيلاني

{الۤـمۤ} [البقرة: 1] أيها الإنسان الكامل، اللائق لخلافتنا، الملازم لاستشكاف أسرار ربوبيتنا كيفية بركات هويتنا الذاتية السارية على صفائح المكونات، المنتزعة عنها والمأخوذة منها.
{ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المتعبد درجة كماله عن إفهام الجامع مراتب الأسماء والصفات في عالم الغيب والشهادة، المنزل على مرتبتك يا أكمل الرسل، الجامعة لجميع مراتب الكائنات من الأزل إلى الأبد بحيث لا يشذ عنها مرتبة أصلاً {لاَ رَيْبَ فِيهِ} بأنه منزل من عندنا لفظاً ومعنى:
أمَّا لفظاً: فلعجز جماهير البلغاء ومشاهير الفصحاء عن معارضة أقصر آية منه مع وفور دواعيهم.
وأمَّا معنى: فلا شتماله على جميع أحواله الحقائق العينية والأسرار الغيبية مما كان وسيكون في النشأتين، ولا يتيسر الاطلاع عليها والإتيان بها على هذا النمط البديع إلا لمن هو علام الغيوب.
وإنما أنزلناه إليك أيها اللائق لأمر الرسالة والنيابة، لتهتدي به أنت إلى بحر الحقيقة، وتهدي به أيضاً من تبعك من التائهين في بيداء الضلالة؛ إذ فيه {هُدًى} عظيم {لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] الذين يحفظون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه نفوسهم عن خبائث المعاصي المانعة من الطهارة الحقيقية والوصول إلى المرتبة الإصلية.
و{ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} يوقنون ويذعنون بأسراره ومعارفه {بِٱلْغَيْبِ} أي: غيب الهوية الذي هو ينبوع بحر الحقيقة وإليه منتهى الكلم، وبعد ذلك يتوجهون بمقتضيات أحكامه نحوه، ويهدون إليه بسببه {وَيُقِيمُونَ} يديمون {ٱلصَّلٰوةَ} الميل بجميع الأعضاء والجوارح على وجه الخضوع والتذلل إلى جنابه؛ إذ هو المقصد للكل إجمالاً وتفصيلاً، ولكل عضو وجارحة تذلل خاص وله طريق مخصوص يناسبه، يرشدك إلى تفاصيل الطرق، فعله صلى الله عليه وسلم في صلاته على الوجه الذي وصل إلينا من الرواة المجتهدين - رضوان الله عليهم أجمعين - ولما تنبهوا له به بمتابعته ومالوا نحو جنابه بالميل الحقيقي بالكلية لم يبق لهم ميل إلى ما سواه من المزخرفات الفانية لذلك {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ} سقنا إليهم ليكون بقياً لحياتهم ومقوماً لمزاجهم {يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] في سبيلنا طلباً لمرضاتنا وهرباً عما يشغلهم عنا، فكيف إنفاق الفواضل؟.
{وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} ينقادون ويمتثلون {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} من الكتاب الجامع أسرار جميع ما أنزل من الكتاب السالفة على الوجه الأحسن الأبلغ، ومن السنن ومن الأخلاق الملهمة إليك {وَ} مع ذلك صريحاً يعتقدون {مَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين مع الإيمان بجميع الكتب المنزلة، وإن كان كل كتاب متضمناً للإيمان بالنشأة الآخرة بل هو المقصود الأصلي من جميعها {وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] أفردها بالذكر؛ اهتماماً بشأنها لكثرة المرتابين فيها.
{أُوْلَـٰئِكَ} أي: جزاء أولئك المؤمنون المتعقدون بجميع الكتب المنزلة على الرسل، والمؤمنون المذعنون بالنشأة الآخرة بل خاصة أنهم {عَلَىٰ هُدًى} عظيم {مِّن رَّبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم إلى أن يبلغوا إلى هذه المرتبة التي هي الاهتداء إلى جانب قدسه {وَ} مع ذلك الجزاء العظيم والنفع الجسيم {وَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] الفائزون، الناجون عن مضائق الإمكان الواصلون إلى فضاء الوجوب، رزقنا الله الوصول إليه.