التفاسير

< >
عرض

قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
٣٣
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ
٣٤
وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ
٣٥
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٣٦
فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٣٧
-البقرة

تفسير الجيلاني

ومتى اعترفوا بذنوبهم واعتذروا عن قصورهم وإجرامهم قبل الله عنهم عذرهم وتوبتهم، ثم أظهر عليهم الحكمة المقتضية لخلافة آدم - صلوات الله عليه - جبراً لانكسارهم ورفعاً لحجابهم وامتناناً عليهم حيث: {قَالَ يَآءَادَمُ} المستجمع لجميع الأسماء المتخالفة {أَنبِئْهُمْ} عن خبرةٍ وحضورٍ {بِأَسْمَآئِهِمْ} المركوزة في هويتك عن هؤلاء المسميات المسببات المعروضة عليك المعبرة عنها بالعالم، ثم لما سمع آدم نداء ربه بادر إلى الجواب بمقتضى الوحي والإلهام الإلهي {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ} بتوفيق الله وإلهامه ووحيه {بِأَسْمَآئِهِمْ} على التفصيل الذي أودعه الحق في ذاته؛ لأن المرأة تظهر جميع ما في الرائي، فلما سمعوا منه التفصيل واستخرجوا بإنبائه، وندموا عما صدر عنهم في حقه، وزادوا الاستحياء من الله وتوجهوا نحوه ساكتين نادمين حتى لطف معهم وأدركتهم الرحمة الواسعة، تكلم سبحانه معهم وخاطبهم مذكراً لهم عما جرى بينه وبينهم، ومستفهماً لهم على وجه التأديب؛ لئلا يصدر عنهم أمثاله ولئلا يغتروا بعلومهم ومعامالاتهم، ولا يستحقروا مظاهر الحق، ولا ينظروا إليها بعين الاحتقار بل بنظر الاعتبار، ولا يتوهم إخفاء شيء من علم الله المحيط بالأشياء إحاطة حضور حيث {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} إجمالاً أولاً: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: ما غاب عنهم في علم السماوات التي ادعيتم العلم بتفاصيل أحوالها {وَ} غيب {ٱلأَرْضِ} التي قلتم فيها كلاماً على التخمين وبحسب الظاهر {وَأَعْلَمُ} أيضاً {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] تظهرون في حق آدم باللسان ودعوى الاستقلال فيها والانحصار عليها.
ثم لما اعترفوا بذنوبهم وقصورهم، وتضرعوا إلى الله نادمين تائبين عن اجترائهم ومجادلتهم معه مستحيين عنه وعمن استخلفه لنفسه - يعني آدم - بنسبة المكروهات إليه، خائبين عما نووا في نفوسهم من الأولوية في الاستحقاق، تقبل الله عذرهم وأسقط حقه عنهم، ثم أمر بسجودهم لمن استخلفه؛ استجلالاً معه وإيفاء لحقه ليسقط أيضاً عن ذمتهم، فقال: {وَإِذْ قُلْنَا} أي: واذكر يا أكمل الرسل وقت قولنا {لِلْمَلَٰئِكَةِ} النادمين عن الجراءة التي صدرت عنهم {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} تذللوا وتواضعوا تكريماً لآدم وامتثالاً لأمرنا {فَسَجَدُواْ} مجتمعين متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة والندامة {إِلاَّ إِبْلِيسَ} منهم {أَبَىٰ} وامتنع عن السجود {وَٱسْتَكْبَرَ} عن الانقياد له، وأصر على ما هو عليه من الجحود {وَكَانَ} بعدم ا لامتثال الأمر الوجوبي {مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 34] المطرودين عن ساحة عز الحضور.
والسر في استثنائه تعالى عن هذا الحكم وعدم توفيقه إياه وعدم اقتداره على السجود، أن يظهر سر الحضور والإظهار والربوبية والعبودية، وسر الإيمان والكفر والجنة والنار وجميع القيودات الشرعية والتكاليف الإلهية؛ إذ نسبته يظهر الاثنينية ويتعدد الطرق وتتفاوت الآراء والمقالات وتبين المخالفات والمنازعات، ويظهر الباطل ويستر الحق، وهو الرقيب المحافظ لآدابه والحاجب المعتكف ببابه، حتى لا تكون شرعية لكل وارد، أو يتوجه إليه واحد بعد واحد، غيره على الله وحمية لنفسه، ولهذا تمنى كثير من المحققين مرتبته.
ومن غيرته على ربه إلهاؤهم واغترارهم بالمستلذات والمزخرفات التي مالت إليها نفوسهم بطبعها يشغلهم ويلهيهم بها عن التوجيه إلى جنابه والعكوف ببابه، والسر في طرده ولعنه وإبعاده وبكفره تحذيرهم عن الانقياد والاقتداء على أبلغ وجه وآكده، وتمرين لعداوته ورقابته معهم في نفوسهم؛ لئلا يغفلوا عنه، ومع ذلك لم يتركوا متابعته ولم يجتنبوا من إقطاعه الملهية، نعوذ بالله من شرور أنفسنا.
{وَ} وبعد ما خلقنا آدم في الأرض خليفة وأنزلنا عنه قوادح القاحدين، وأمرمنا جميع خصمائه بسجوده وتكريمه، وامتثلوا بالمأمور جميعاً إلا إبليس، تركه للحكمة المذكورة آنفاً ولئلا يتكبر آدم ويتجه بسببه انقياد جميعهم كما تجبر كثير من أبنائه في الأرض بانقياد الشرذمة القليلة {قُلْنَا} له على سبيل الشفقة والنصيحة: {يَآءَادَمُ} المستخلف المختار، لازم العبودية إنما تحصل بامتثال أوامرنا واجتناب نواهينا، ومتى قبلت بحمل الامتثال والاجتناب {ٱسْكُنْ أَنْتَ} أيها الخليفة أصالة {وَزَوْجُكَ} تبعاً لك {ٱلْجَنَّةَ} التي هي دار السرور ومنزل الفراغ والحضور، ومقام الأنس من الرب الغفور {وَ} إذا سكنتما فيها {كُلاَ} تمتعاً {مِنْهَا} من جميع محظوظاتها ومستلذاتها الروحانية والجسمانية {رَغَداً} واسعاً بلا مقدار وعدد {حَيْثُ شِئْتُمَا} بلا مزاحمة أحد {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} المخصوصة المعينة حتى لا تخرجا من رق العبودية وإن قربتما {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 35] الخارجين عن حدو الله بارتكاب المنهي.
ولما استشعر إبليس التوصية والمعاهدة المذكورة المنبئة عن كمال العناية الإلهية بالنسبة إلى آدم، بادر إلى دفعها ورفضها، فوسوس لهما بأن ألقى في قلبهما الدغدغة في تخصيص هذه الشجرة المعنية بالنهي وأنساهما المعاهدة المذكورة في العبودية، وبالجملة: {فَأَزَلَّهُمَا} ألجأهما إلى ارتكاب الزلة بوسوسة {ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} العدو لهما والرقيب معهما فتنادوا عنها عن الشجرة المنهية {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا} أي: من الحضور الذي {كَانَا فِيهِ} أي: في دار السرور {وَ} بعدما ظهر زلتهما {قُلْنَا} لهما ولناصحهما: {ٱهْبِطُواْ} من دار السرور إلى دار الغرور، ومن دار الكرامة إلى دار الابتلاء والملائمة، وعيشوا فيها مع النزاع والخصومة؛ إذ {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ينتهز الفرصة لمقته {وَ} بعد هبوطمم {لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل التفرقة وموطن الفتن والمحن {مُسْتَقَرٌّ} موضع قرار {وَمَتَاعٌ} استمتاع لمزخرفاتها ومستلذاتها الغير القارة التي ألهاكم الشيطان بها عن النعيم الدائم {إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36] قيام الساعة التي هي الطامة الكبرى.
ثم لما لم يكن زلة آدم من نفسه ومن مقتضى طبعه بل بسوسوة عدوه، أشفق عليه وتوجه نحوه وتطلف معه {فَتَلَقَّىٰ} استفاد {ءَادَمُ} المذنب العاصي {مِن رَّبِّهِ} المستخلف المستقبل عليه {كَلِمَٰتٍ} مشتملات على الرجوع والإنانية عما صدر عنه من زلة هي قوله:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23] ولما تلقى آدم من ربه هذه الكلمات واستغفر بها، ورجع عما صدر {فَتَابَ} الله {عَلَيْهِ} أي: قبل توبته ورحم عليه {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع للمذنبين المنهمكين في العصيان بالإنابة إليه عن ظهر الجنان {ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37] لهم عما صدر عنهم من المعاصي والآثام بلا معاتبة ولا انتقام.