التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١١
لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ
١٢
لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ
١٣
وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٤
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ
١٥
وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ
١٦
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٧
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٨
-النور

تفسير الجيلاني

ثم أشار سبحانه إلى تطهير ذيل عائشة - رضي الله تعالى عنها - عما رماها وافتراها أهل الزيغ والضلال جهلاً بحالها وعلوِّ شأنها، وكمال عصمتها وعِفَّتها، فقال: {إِنَّ} المفسدين المسرفين {ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} أي: بالكذب الصارف عن الحق {عُصْبَةٌ} أي: فرقةُ وعصابةُ معدودةُ {مِّنْكُمْ} أيها المؤمنون المقذوفون مع أنهم {لاَ تَحْسَبُوهُ} ولا تظنوه أي: الإفكَ الذي جاءوا به {شَرّاً لَّكُمْ} ولحوقَ عارٍ عليكم {بَلْ هُوَ} أي: إفكُهم {خَيْرٌ لَّكُمْ} وسببُ ثوابٍ عظيمٍ وأجر جزيلٍ، و ظهور كرامةٍ، ونزول آياتٍ عظام في براءتكم وطهارتكم وتهويل شأنكم.
وصار {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ} أي: من القاذفين المفتريين جزاء {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} والإفكِ الذي جاءوا به ظلماً وزوراً {وَ} لا سيما الشخصَ {ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} أي: معظم الآفكين، وهو الذي أخذ في إفشائه وإشاعته، وهو ابن أُبيّ {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] في الدنيا والآخرة؛ إذ هو مطرود بين المؤمنين، مشهورُ بالنافق، وله في الآخرة أشدُّ العذاب.
ثم وبّخ سبحاه على الآفكين وقرَّعتههم؛ حيث قال: {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أي: الإفكَ أيها الآفكومن لم تظنوا بالمذروفيْن خيراً كما {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ} لَمْ تقولوا كما {قَالُواْ} أي: المؤمنون: {هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12] وكذبُ عظيمُ وفريةُ بلا مريةٍ؛ إذ ساحة عصمتها وطهارة ذيلها ونجابة طينتها أجلُّ وأعلى من أن يُفْترى عليها أمثال هذه المفتريات الباطلة.
عصمنا الله عما لا يرضى منه سبحانه {لَّوْلاَ جَآءُوا} أي: الآفكون المسرفون وأتوا {عَلَيْهِ} أي: على إفكهم هذا {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} عدولاً لصدقوا فيما قالوا {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ} الأربع العدول {فَأُوْلَـٰئِكَ} الآفكون المفترون {عِندَ ٱللَّهِ} المطلع لضمائرهم {هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} [النور: 13] المقصورون على الكذب، يجازيهم سبحانه على مقتضى ما افتروا من الكذب والبهتان، سيما مع أهل البيت، أهل العصمة والكرامة.
{وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أيها الباهتون، المفترون بتوفيكم على الإنابة والرجوع عن هذه الفرية العظيمة {وَرَحْمَتُهُ} الشاملة لكم {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ} وخضتم في إشاعته وإذاعته {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 14] عاجلاً وآجلاً.
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} مع نهاية كراهته وسماجته {بِأَلْسِنَتِكُمْ} سائلاً بعضُكم بعضاً متلقياً على قبوله وسماعه {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} لا ظنُ ولا يقينُ بل جهلُ وتخمينُ، {وَ} مع عظم هذا الجرم عند الله {تَحْسَبُونَهُ} أيها الحمقى المسرفون {هَيِّناً} سهلاً يسيراً، لا يترتب عليه شيءُ من العذاب والعقاب {وَ} الحال أنه {هُوَ} أي: رمي تلك البريئة العفيفة {عِندَ ٱللَّهِ} المطلع لعفتها وعصمتها {عَظِيمٌ} [النور: 15] فظيعُ في غاية العظمة والفظاعة، مستجلبُ لأنواع العذاب وأشد النكال؛ إذ الافتراء بآحاد الناس يوجب أشدَّ العذاب وأسوأ العقاب، فكيف بأفضلهم وأشرفهم!.
{وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أولاً أيها الآفكون المفترون {قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ} أي: ما يصح ويجوز {لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} الفحش الباطل الكذب الصريح العاطل {سُبْحَانَكَ} نقدسك وننزهك من أن تمكِّن أحداً يفعل، ويقول في حق حليلة حبيبك صلى الله عليه وسلم أمثال هذا الافتراء؛ إذ {هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] تبهتُ، وتحيرُ منه العقول، وتضطرب الأسماع، وتتقلقل القلوب.
{يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ} المصلح لمفاسدكم، ويبالغ في وعظكم وتذكيركم كرهاة {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} ما دمتم حياً {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [النور: 17] بالله مصدقين لنبيه؛ إذ أمثال هذه الخرافات بالنسبة إلى أهل بيت النبوة من أمارات الكفر والتكذيب، وعلامات سوء الأدب مع الله ورسوله.
{وَ} بعد صدور أمثال هذه الخرافات من أهل السرف والإفساد {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} المدبر {لَكُمُ ٱلآيَاتِ} الدالة على الصفح والإعراض عن أمثال هذه الافتراءات الهاتكة لأستار محارم الله، سيما مع أكرم عترة حبيبه {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوالكم {عَلِيمٌ} بما في ضمائركم وخواطركم {حَكِيمٌ} [النور: 18] في إزالة ما يضركم ويغويكم.