التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
٤٥
وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً
٤٦
وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً
٤٧
وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً
٤٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً
٤٩
-الأحزاب

تفسير الجيلاني

ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيَّد، المخصوص بأنوا الفضائل والكرمات {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا ولطفنا {أَرْسَلْنَٰكَ} إلى كافة البرايا وعامة العباد {شَٰهِداً} تشهد لهم الحقائق، وتحضرهم المعارف، وتوصلهم بالتنبيهات الواضحة إلى مرتبة الكشف والشهود؛ لكون أصل فطرتهم وجبلتهم مجبولة عليها {وَمُبَشِّراً} تبشرهم بالتوحيد المسقط للإضافات المستتبعة لأنواع الكثرات المشوشة لنفوسهم {وَنَذِيراً} [الأحزاب: 45] تنذرهم عن مقتضيات القوى البهيمية من الشهوية والغضبية الجالبة لأنواع الخذلان والحرمان.
{وَدَاعِياً} دعوهم {إِلَى} توحيد {ٱللَّهِ} المنزه عن التعديد والتجديد دعوة مسبوقة {بِإِذْنِهِ} سبحانه؛ أي: بوحيه وإلهامه {وَ} بالجملة: أرسلناك إلى عموم العباد {سِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 46] تضيء لهم، ويستضيئون منك في ظلمات الضلالات والجهالات المتراكمة من الحجب الظلمانية والكثافات الهيولانية، المتولدة من الكدورات الطبيعية، الباقية من ظلمة العدم.
{وَ} بعدما سمعت يا أكمل الرسل سبب بعثتك وسره {بَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموقنين بتوحيد الله، المترقين من اليقين العلمي إلى العيني، الطالبين الوصول إلى اليقين الحقي {بِأَنَّ لَهُمْ} أي: حق وثبت لهم عنده سبحانه {مِّنَ} عناية {ٱللَّهِ} معهم {فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47] لا فضل أكبر منه، وهو الرضا والفوز بشرف اللقاء.
{وَ} بعدما سمعت وظيفتك يا أكمل الرسل مع المؤمنين المسترشدين منك الطالبين هدايتك وشرف صحبتك {لاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على الكفر والعناد المجاهرين به {وَٱلْمُنَافِقِينَ} الذي يخفون كفرهم وضلالهم عنك لمصلحة دنيوية ويظهرون عندك خلاف ما في نفوسهم، ولا تجلس معهم ولا تصاحبهم أصلاً {وَ} إن آذوك في مرورك عنهم وملاقاتك معهم بغتة {دَعْ أَذَاهُمْ} أي: اتركهم وأذاهم ولا تلتفت إلى الانتقام عنهم، واصبر على مضضهم، فإن صبرك يقتلهم عن الغيظ، ويطفئ لهب غضبهم {وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ} في دفع شرورهم، وثق إليه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً} [الأحزاب: 48] حسيباً كافياً يكفي عنك مؤنة أعدائك، ويكفي عنك أذاهم عناية لك واهتماماً بشأنك.
ثمَّ لمَّا أشار سبحانه إلى ما أباح على نبيه صلى الله عليه وسلم بلا حرج أراد أن يشير إلى ما أباح أيضاً على عموم المؤمنين بلا حرج لهم فيه وضيق، وقال سبحانه منادياً لهم على وجه العموم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالله، وصدقوا بجميع أوامره ونواهيه المنزلة من عنده، مقتضى إيمانكم {إِذَا نَكَحْتُمُ} وعقدتم {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} اللاتي هن أحقاء بنكاحكم من المسلمات والكتابيات {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} أي تطئوهن وتجامعوهن {فَمَا لَكُمْ} أي: ما لزم ووجب لكم فيما يتلى عليكم {عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} وتحصونها، كما للمدخلات بهن والمتوفات عنهن من المدة المقدرة في الشرع، وبعدما لم تلزم عليكم العدة أيها المطلقون {فَمَتِّعُوهُنَّ} أي: أعطوهن المتعة المستحسنة عقلاً وشرعاً إن لم يكن صدقاتهن مقدرة، وإن كانت مقدرة فأعطونهن نصف ما قدر من المهر بلا تنقيص ومماطلة {وَ} بعد أن أعطيتموهن المتعة أو النصف من المهر المقدر {سَرِّحُوهُنَّ} وأخرجوهن من منازلكم {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] إخراجاً ليناً، بلا ضرر وإضرار، وتنقيص ما استحققن عليه.