التفاسير

< >
عرض

وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا
١
فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً
٢
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً
٣
إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ
٤
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ
٥
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ
٦
وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ
٧
لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ
٨
دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ
٩
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
١٠
-الصافات

تفسير الجيلاني

{وَٱلصَّافَّاتِ} أي: وحق الأسماء والصفات الإلهية الصافين حول الذات الأحدية المنتظرين لشئونه وتجلياته؛ إذ هو سبحانه في كل آن في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن {صَفَّا} [الصافات: 1] لا يتحولون منه أصلاً، بل هائمون دائمون والهِون مستغرقون، منتظرون بماذا يأمرهم ربهم من التدابير المخزونة في حضرة علمه ولوح قضاءه.
ومتى تعقلت إرادته بمقدور من مقدوراته ومراداته المأمورة إياهم وحينئذ زاجرات {فَٱلزَّاجِرَاتِ} المدبرات على الفور لما يأمرهم الحق من التدبيرات المتعلقة بنظام الكائنات غيباً وشهادةً {زَجْراً} [الصافات: 2] أي: تدبيراً تاماً كاملاً، حسب المأمور والمقدور بلا فتور وقصور.
وبعدما صدر أمره سبحانه، وجرى قضاءه بقوله:
{ كُن } [غافر: 68] فهم حينئذ التابعون لامتقال المأمور المقضي، بلا فترة وتسويف {فَٱلتَّٰلِيَٰتِ} التابعات لإنفاذ قضائه سبحانه القارئات المبلِّغات {ذِكْراً} [الصافات: 3] منه، ووحياً من لدنه سبحانه لمن أمرهم الحق بتليغه إياهم، وهم الأنبياء والرسل المؤيدون بالوحى والإلهام، المصطفون من بين البرايا بالخلافة والنيابة عن الله، المتحملون لأعباء النبوة والرسالة.
يعني: وبحق هؤلاء الملائكة الذين هم من سدنة حضرة اللاهوت، وخَدَمَة عتبة جناب الرحموت، والمتظرون لما صدر عنه سبحانه من الأمور المتعلقة بالملك والملكوت {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ} الذي أظهركم وأبدعكم من كتم العدم، ولم تكونوا أيها العكوس المستهلكة في شمس الذات شيئاً مذكوراً، لا حساً ولا عقلاً ولا وهماً {لَوَاحِدٌ} [الصافات: 4] أحد صمد فرد وتر، ليس له شريك في الوجود ولا نظير في الظهور والشهود.
فهو وحده بوحده ذاته وكمال أسمائه وصفاته {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} العلا {وَٱلأَرْضِ} السفلى {وَمَا بَيْنَهُمَا} من الكوائن والفواسد الممتزجة منهما إلى ما لا يتناهى، ولا مربي للمذكورات سواه، ولا مظهر للكائنات إلا هو {وَ} هو سبحانه {رَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} [الصافات: 5] أي: الاستعدادات القابلة لشروق شمس ذاته المتأثرة من أشعة أسمائه وصفاته.
وبعدما ثبت استقلالنا وتوحيدنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا ولا هوتنا وجبروتنا {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا {زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} أي: القربى لكم أيها المكلفون، حيث ترون ما فيها {بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6] أي: بزينة هي الكواكب، أو البدل على كلا القراءتين بتنوين وبلا تنوين، تزييناً تبتهجون بها حين تنظرون إليها، وتتأثرون سعداً ونحساً إقبالاً وإدباراً.
{وَ} جعلناها {وَحِفْظاً} أي: بعدما زينا السماء بها صيرناها صائنة حفظاً لها {مِّن} وصول {كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} [الصافات: 7] خراج عن إطاعة الله، مائل عن توحيده إياها.
كي {لاَّ يَسَّمَّعُونَ} أي: مردة الشياطين ولا يصغون {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} أي: إلى الأذكار والاستغفار وسائر الأسرار الجارية على ألسن الملائكة، إذ هم؛ أي: الشياطين والجن أشبه المخلوقات إلى الملائكة، وإنما منعهم سبحانه عن الإصغاء إليهم؛ لأ،هم من كمال عداوتهم مع بني آدم يعكسون عليهم ما يسمعون، فيضلونهم به عن الصراط المستقيم، أو يدَّعون الألوهية والربوبية لأنفسهم، ويحتجون بما يسمعون من الملائكة ترويجاً وتغريراً، ويلبِّسون الأمر على ضعفة الأنام، فيحرِّفونهم عن جادة التوحيد والإسلام {وَ} لذلك {يُقْذَفُونَ} ويُطردون أولئك الماردون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات: 8] من جوابن السماوات وآفاقها.
{دُحُوراً} طرداً بليغاً وزجراً شديداً {وَ} مع ذلك الطرد الزجر {لَهُمْ} أي: للشياطين {} في النشأة الأخرى {عَذابٌ وَاصِبٌ} [الصافات: 9] مؤبَّد دائم، لا ينفك عنهم في حين من الأحيان.
{إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} أي: يُطرد الماردون، ولا يسمعون إلا من اختطف واختلس من الملائكة الخطفة على سبيل المسارقة {فَأَتْبَعَهُ} أي: تبعه ولحقه على الفور حين اختطافه واختلاسه {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] أي: كوكب مضيء كجذوة النار، يثقب الجني فيقتله، أو يحرقه، أو يخبله.
والقول بأن الشهب من الأمور الكائنة في الجو من الكواكب قول تخميني ابتدعه الفلاسفة من تلقاء نفوسهم، لا يعضده عقل، ولا يوافقه نقل.
وأما قولهم في ضبط الحركات الفلكية والأجرام العلوية، وتقويم الكواكب والبروج، وتقدير الأشكال والصور إلى غير ذلك من الأمورم المؤدية إلى الحس رما يؤدي إلى اليقين، أمَّا في طبائع المكونات وحقائق الموجودات، وكيفية تراكيب الماهيات وغير ذلك من الأمور الحقيقية التي لا مجال للحس فيها ولا لعقل، ما هو إلا تخمين زائل وزور باطل؛ إذ لا يعرف كنه الأشياء إلا خالقها ومظهرها، لا يسع لأحد أن يتفوه عنها، وعن كيفيتها وكميتها وكمية التئامها على ما هي عليها والتركيبات الحقيقية.
وهم؛ أي: مرادة الشياطين بمجرد تلك الخطفة المختلسة يضلون كثيراً من الناس إلى حيث يستبعدونهم، ويأمرونهم بالإطاعة والانقياد إلى أنفسهم، والعبادة إياهم باتخاذهم أولياء آلهة من دوننا جهلاً وعناداً.