التفاسير

< >
عرض

وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً
١٥
وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً
١٦
إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
١٧
-النساء

تفسير الجيلاني

{ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ } الفعلة القبيحة التي هي الزنا، وهن { مِن نِّسَآئِكُمْ } وفي حجركم ونكاحكم، فأُخبرتم بها - العياذ بالله - فعليكم في تلك الحالة ألاَّ تبادروا إلى رميها ورجمها، بل { فَٱسْتَشْهِدُواْ } اطلبوا الشهداء من المخبر؛ ليشهدوا { عَلَيْهِنَّ } بالزنا، والمعتبر أن يكون { أَرْبَعةً مِّنْكُمْ } أي: من عدول، رجالكم، بشرط ألاَّ يسبق منهم تحبسس وترقب، بل وقع منهم النظر بغتة على سبيل الاتفاق، فيرون ما يرون، كالميل في المكحلة، مستكرهين، مستعجبين.
{ فَإِن شَهِدُواْ } هؤلاء الشهود على الوجه المعهود، فعليكم أيها المؤمنون، المستحفظون لحدود الله ألاَّ تضطروا، ولا تستعجلوا في مقتهنَّ وإخراجهنَّ، بل عليكم الإمساك { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ } التي أنتم فيها بلا مراودة إليهن؛ كيلا يلحق عليكم بالإخراج عار آخر، بل اتركوهن فيها { حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ } الطبيعي { أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ } أي: يحكم الله { لَهُنَّ } أي: في حقهن { سَبِيلاً } [النساء: 15] حكماً مبرماً، هذا في بدء الإسلام، ثم نُسخ بآية الرجم والجلد.
{ وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا } أي: الفعلة القبيحة التي هي اللواطة، وهما الآتي والمأتي { مِنكُمْ } أيها الرجال وهذا أفحش من الزنا؛ لخروج كلٍّ منهما عن حد الله، وانحطاطهما عن كمال الإنسان؛ لارتكابهما شئاً لا يقتضيه العقل والشرع بخلاف الزن، ولشناعها وخباثتها لم يعيِّن لها سبحانه حداً في كتابه المبيِّن لأخلاق الإنسان، كأن هؤلاء ليسوا من الإنسان، بل من البهائم، بل أسوأ حالاً منها، لذلك قال: { فَآذُوهُمَا } إيذاءً بليغاً، وتعزيزاً شديداً حتى يمتنعوا { فَإِن تَابَا } وامتنعا { وَأَصْلَحَا } ما أفسد بالتوبة والندامة { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ } متغفرين لهما من الله، مستشفعين عنهما، غير موبخين ومقرعين عليهما { إِنَّ ٱللَّهَ } المطلع لأحوال عباده المذنبين { كَانَ تَوَّاباً } لهم، يرجعهم عمَّا صدر عنهم نادمين { رَّحِيماً } [النساء: 16] يعفو عنهم.
ثم قال سبحانه: { إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ } أي: ما التوبة المبرورة المقبولة إلا التوبة الناشئة من محض الندامة المتفرعة على تنبيه القلب عن قبيح المعصية، وهي المصححة، الباعثة { عَلَى } قبول { ٱللَّهِ } إياها، النافعة { لِلَّذِينَ } أي: للمؤمنين الذين { يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ } الفعلة الذميمة لا عن قصد وروية، بل { بِجَهَالَةٍ } عن قبحه ووخامة عاقبته { ثُمَّ } لمَّا تأملوا وأدركوا قبحها { يَتُوبُونَ } يبادرون إلى التوبة والرجوع { مِن } زمانٍ { قَرِيبٍ } أي: قبل الانتهاء إلى وقت الإلجاء { فَأُوْلَـٰئِكَ } التائبون، المبادرون على التوبة قبل حلول الأجل { يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي: يقبل توبتهم بعدما وفقهم عليها، ولقنهم بها { وَكَانَ ٱللَّهُ } المطلع على ضمائرهم { عَلِيماً } بمعاصيهم في سابق علمه { حَكِيماً } [النساء: 17] في إلزام التوبة عليهم ليجبروا بها ما انكسروا على نفوسهم.