التفاسير

< >
عرض

وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً
٤
وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً
٥
وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٦
-النساء

تفسير الجيلاني

{وَ} إذا أردتم النكاح أيها المسلمون {ءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ} الحرائر، والإماء لغيركم {صَدُقَٰتِهِنَّ} أي: مهورهن {نِحْلَةً} بَتةً مؤبداً بلا حيلة وخديعة {فَإِن طِبْنَ} هن {لَكُمْ} لإفراط محبتكم في قلوبهن {عَن شَيْءٍ} كلٍ أو بعضٍ {مِّنْهُ} أي: من المهر {نَفْساً} رغبةً ورضاً، لا كرهاً واستحياء {فَكُلُوهُ} أي: الشيء الموهوب من المهر {هَنِيئاً} حلالاً {مَّرِيئاً} [النساء: 4] طيباً؛ تقويماً لمزاجكم؛ لإقامة القسط والعدل الذي هو من حدود الله المتعلقة بالقتوى.
{وَ} أيضاً من جملة الحقوق المتعلقة بالتقوى أيها الأولياء أن {لاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ} سواء كانوا من أصلابكم وما ينتمي إليكم، وهم الذين خرجوا عن طور العقل ومرتبة التدبير والتكليف {أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ} ملكاً {لَكُمْ} أيها العقلاء المكلفون {قِيَٰماً} سبباً لقيامكم على الطاعة والعبادة {وَ} لكن {ٱرْزُقُوهُمْ} أي: اجعلوا طعامهم وسائر حوائجهم في مدة أعمالهم {فِيهَا} في ربحها ونمائها {وَٱكْسُوهُمْ} أيضاً منها {وَ} إن كان منهم له أدنى شعور بأمر الإضافة والتمليك، ولكن لا ينتهي إلى التدبير والتصرف المشروع {قُولُواْ لَهُمْ} لهؤلاء المخطئين من مرتبة العقلاء {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء: 5] مستحسناً عقلاً وشرعاً؛ لئلا ينكسر قلوبهم.
{وَ} أيضاً من جملة الأمور التي وجب حفظها: ابتلاء أو رشد اليتامى قبل أداء أموالهم إليهم {ٱبْتَلُواْ} اختبروا وجربوا أيها الأولياء عقول {ٱلْيَتَامَىٰ} وتدابيرهم في التصرفات الجارية بين أصحاب المعاملات {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي: السن المعتبر في باب النكاح، هو خمسة عشر عند الشافعي - رحمة الله عليه - وثمانية عشر عند أبي حنيفة {فَإِنْ آنَسْتُمْ} أي: أشعرتم وأحسستم {مِّنْهُمْ رُشْداً} تدبيراً كافياً، وافياً للتصرفات الشرعية {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} على الوجه المذكور بلا مماطلة وتأخير، وإن لم تؤنسوا الرشد المعتبر فيهم لا تدفعوها، بل تحفظوها إلى إيناس الرشد.
لكن {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً} مسرفين في أجرة المحافظة {وَبِدَاراً} مبادرين في أكلها؛ خوفاً {أَن يَكْبَرُواْ} ويخرجوها من أيديكم {وَمَن كَانَ} منكم أيها الاولياء {غَنِيّاً} ذو يسر {فَلْيَسْتَعْفِفْ} من أكلها، والتعفف منها خير له في الدنيا والآخرة {وَمَن كَانَ} منكم {فَقِيراً} ذا عسر {فَلْيَأْكُلْ} منها {بِٱلْمَعْرُوفِ} المعتدل، لا ناقصاً من أجرة حفظ، ولا زائداً عليها؛ حفظاً للغبطتين {فَإِذَا دَفَعْتُمْ} أيها الأولياء بعدما آنستم الرشد المعتبر منهم {إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ} فأحضروا ذوي عدل من المسلمين {عَلَيْهِمْ} ليشهدوا فيماجرى بينك وبينهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [النساء: 6] أي: كفى الله حسيباً فيماجرى بينكم وبينه سبحانه في مدة المحافظة، يحاسبكم ويجازيكم على مقتضى حسابه.
ومن خطر هذه التصرفات، كان أرباب الولاء من المشايخ - قدس الله أسرارهم - يمنعون أهل الإرادة عن أمثالها؛ لأن البشر قلَّما يخلون عن الخطر، خصوصاً في أمثال هذه المزالق.
ثبت أقدامنا على جادة توحيدك، وجنبنا عن الخطر والتزلزل منها بمنِّك وجودك.