التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ
٢
إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ
٣
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
٤
أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
٥
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦
رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ
٧
لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ
٨
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
٩
-الدخان

تفسير الجيلاني

{حـمۤ} [الدخان: 1] يا حافظ حدود الله ومراقب وحيه في عموم أوقاتك وحالاتك.
و{وَ} حق {ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الدخان: 2] الذي هو القرآن العظيم الذي
{ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 42].
{إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَنزَلْنَاهُ} أي: ابتدأنا إنزاله إليك تأييداً لأمرك وتعظيماً لشأنك {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} كثيرة الخير والبركة، هي ليلة القدر أو البراءة، وإنما أنزلناه مشتملاً على الأحكام والمواعظ والعبر والأمثال والقصص والتواريخ والرموز والإشارات المنبهة على المعارف والحقائق {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3] مخوفين بإنزال ما فيه من الأوامر والنواهي الوعيدات الهائلة على من انصرف عن جادة العدالة الإلهية وانحرف عن الطريق المستبين.
وإنما أنزلناه إليك في ليلتك هذه؛ إذ {فِيهَا يُفْرَقُ} يميز ويفصل عندك يا أكمل الرسل بعدما تمكنت في مقر العز والتمكين {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] أي: محكم صادر عن محض الحكمة المتقنة الإلهية، ولهذا صار ما ذكر في كتابك هذا {أَمْراً} محكماً مبرماً نازلاً {مِّنْ عِنْدِنَآ} على مقتضى كمال علمنا وقدرتنا ووفور حكمتنا؛ ليكون هداية لك وإرشاداً لعموم عبادنا، المتابعين لك المهتدين بهدايتك {إِنَّا كُنَّا} في عموم الأوقات {مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5] رسلاً مبشرين ومنذرين، منزلين عليهم كتباً مبينة مصلحة لأحوال عبادنا، بعدما أفسدوا على أنفسهم.
وصار ذلك الإرسال والإنزال {رَحْمَةً} نازلة {مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل سنة سنية مستمرة بين عموم عباده حين ظهر الفساد فيهم، وبالجملة: أنه سبحانه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاة عباده نحوه بألسنة استعداداتهم {ٱلْعَلِيمُ} [الدخان: 6] لحاجتهم ونياتهم فيها.
وكيف لا يرحمهم ولا يصلح أحوالهم مع أنه هو بذاته {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} السياق يدل على أن التفسير على قراءة: {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} على قراءة ابن عامر وغيره من الكوائن المركبة منها، يعني: مربي الكل ومظهره بالاستقلال والانفراد إن {كُنتُم مُّوقِنِينَ} [الدخان: 7] أي: من أرباب المعرفة واليقين، فاعرفوه كذلك ووقروه.
إذ {لاَ إِلَـٰهَ} ولا موجود في الوجود {إِلاَّ هُوَ} بصرافة وحدته وتنزهه عن وصمة الشركة مطلقاً هو {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي: يظهر ويوجد ما يظهر، ويعدم ما يعدم، بمد ظله إليه وقبضه عنه؛ إذ هو سبحانه {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الدخان: 8] لا مربي لكم ولهم سواه، لو تأمل عموم العباد في دلائل توحيده سبحانه، ونظروا في آيات ألوهيته وربوبيته، لعرفوا يقينا وحدة ذاته {بَلْ هُمْ} أي: أكثرهم {فِي شَكٍّ} أي: غفلة وتردد {يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9] ويترددون في أودية الظنون والجهالات حسب آرائهم الفاسدة وأهويتهم الباطلة.