التفاسير

< >
عرض

يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٩
وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
١٠
وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١١
-المنافقون

تفسير الجيلاني

ومن نهاية غافلتهم عن الله، وعداوتهم مع المؤمنين: {يَقُولُونَ} على سبيل التهور والتهديد: {لَئِن رَّجَعْنَآ} عن سفرنا هذا {إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ} يريدون أنفسهم {مِنْهَا} أي: من المدينة {ٱلأَذَلَّ} يريدون المؤمنين، وذلك أن أعرابياً من المهاجرين نازع أنصارياً في بعض الغزوات على ماء فضرب الأعرابي رأسه بخشبة، فشكا إلى بان أُبي وملئه، فقالوا: لا تنفقوا على من عند رسو الله حتى ينفضروا، وإذا {رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [المنافقون: 8]، {وَ} لم يعلموا أولئك الغواة الضالون في تيه العتو والعناد أنه {لِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ} أي: القوة والغلبة أصالةً {وَلِرَسُولِهِ} تبعاً {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} بمتابعة الرسول {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] عزة الله وعزة أهل الله؛ لفرط جهلهم وغرورهم بأموالهم وأولادهم؛ لذلك يحصرون العزة والقوة بأنفسهم.
ثمَّ قال سبحانه تسليةً للمؤمنين مشتملة على نوع من التعريض، والحث والترغيب: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: ألاَّ تلتفتوا لعزة الدنيا، ولا تغتروا بكثرة الأموال والأولاد فيها؛ حتى {لاَ تُلْهِكُمْ} ولا تشغلكم {أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وعن التوجه نحوه، والركون إليه في مطلق الأحوال {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} والتفت إلى مزخرفات الدنيا، وشغل بها عن الله {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء المشغولون بالخسيس الأدنى عن الشريف الأعلى {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9] المقصورون على الخسران الكلي؛ لاستبدالهم الباقي بالفاني، والزاهق الزائل بالقهَّار القديم.
{وَ} بعدما سمعتم مآل أموالكم إلى ما يتفرع عليها من الحرمان والخسران {أَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} وسقنا نحوكم من أموال الدنيا {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} يعني: أنفقوا قبل حلول الأجل، وظهور أمارات الموت، وعلامات الفزع {فَيَقُولَ} المحتضر منكم حينئذٍ متحسراً: {رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ} أي: هلاَّ أمهلتني يا رب {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} وأمد غير بعيد {فَأَصَّدَّقَ} وأتصدق من مالي هذا على الوجه المأمور طلباً لمرضاتك {وَ} بعد التصدق {أَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] المنفقين، الممتثلين لأمرك، المقبولين عندك.
{وَ} اعلموا أيها المؤمنون يقيناً أنه {لَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً} ولن يمهلها أبداً {إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} وحل ما قدر لها؛ لرد الأمانة فيه من الزمان والآن، وكذا لن يقدمها عليه أصلاً، فعليكم التدارك والتلافي قبل حلول الأجل {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المراقب عليكم في عموم أحوالكم {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11] في أيام حياتكم من خير وشر، فيجازيكم على مقتضى خبرته بلا فوت شيء من عملكم خيراً كان أو شراً.
خاتمة السورة
عليك أيها المحمدي المنكشف برجوع العكوس والأظلال إلى ما منه بدت وظهرت، ألاَّ وهي شمس الوحدة الذاتية أن تعرف أن إظهار المعارف المظاهر، وبسط الظل عليها، وامتداده إياها إنما هي بغتة بلا سبق مادة ومدة، وآلة ومقدمة، كذلك القبض والإخفاء إنما يكون كذلك، فلك ، تكون في مدة ظهورك على ذكر من ربك، بحيث لا يشغلك عنه شيء ساعة، ولا تغفل عنه وعن التوجه نحوه لحظة وطرفة، فإنك ما تدري متى يحل الأجل؟ فإذا حل لا يمكنك التدارك والتلافي.
جعلنا الله من زمرة المستيقظين في عموم الأحوال.