التفاسير

< >
عرض

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ
٢٨
قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
٢٩
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ
٣٠
قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ
٣١
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ
٣٢
كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٣٣
إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٣٤
أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ
٣٥
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
٣٦
أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
٣٧
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ
٣٨
أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ
٣٩
سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ
٤٠
أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ
٤١
يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
٤٢
-القلم

تفسير الجيلاني

وبعدما حُرموا منها {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أعدلهم رأياً وعقلاً على سبيل التقريع والتشنيع لإخوانه: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} وقت مشورتكم على تحريم الفقراء، واتفاقكم على منعهم: {لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28] أي: هلاَّ تذكرون الله بالخير، ولم لا تشكرون نعمه بالإنفاق على الفقراء؛ حتى يزيد عليكم نعمه، وقد قال هكذا حين عزموا أولاً على المنع، وشاوروا فيه.
وبعدما وقعوا في الشدة والبلاء اعترفوا بالظلم، حيث {قَالُواْ} عن كمال الندامة والإنابة: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} ننزهك من أن ينازعك في ملكك وسلطانك، أو يخالف حكمك أو شأنك {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [القلم: 29] خارجين عن أمرك بالإنفاق، معرضين أنفسنا على عذابك وانتقامك.
تب علينا بفضلك وكرمك
{ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } [البقرة: 129].
وبعد وقوع الواقعة {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} [القلم: 30] يعني: يلوم بعضهم بعضاً، فإنهم منهم من أنكر، ومنهم من استصوب، ومنهم من أشار، ومنهم من سكت.
بالجملة: {قَالُواْ} أي: الكل متحسرين: {يٰوَيْلَنَا} وهلكتنا أدركينا {إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} [القلم: 31] مجاوزين حدود الله، مستحقين للويل والثبور.
وبعدما أنابوا إلى الله، وتضرعوا نحوه على محض الندم والإخلاص قالوا على سبيل الطمع والرجاء: {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ} ببركة التوبة والرجوع بالإخلاص والاعتراف بالخطا، والاستغفار بالندم، والانكسار التام، وقد رُوي أنهم أُبدلوا خيراً منها {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم: 32] راجون منه العفو، طالبون الخير والمغفرة.
{كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} لمن خرج عن مقتضى الحدود الإليهة في الدنيا {وَ} الله {لَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ} المعدة لأصحاب الغفلة عن الله {أَكْبَرُ} وأعظم بأضعافها وآلافها {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [القلم: 33] ويعتقدون وقوعها لاحترزوا عمَّا يؤولهم إلى عذابها، ويوقعهم في وبالها ونكالها.
{إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ} المتحفظين نفوسهم عن غضب الله، المتحرزين عن الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية {عِنْدَ رَبِّهِمْ} الذي وفقهم إلى صيانة النفس عن المعاصي والمنكرات حين وصولهم إلى كنف حفظه، وجوار قدسه {جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [القلم: 34] أي: روضة الرضا، وجنة التسليم، لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً، والله عنده أجر عظيم لمن وصل إليه وتحقق دونه.
ثمَّ لمَّا كان الكفرة يقولون: إن صح أنَّا نُبعث كما يزعم محمد وأصحابه لم يفضلونها هناك أيضاً، بل نحن هناك أيضاً أحسن حالاً منهم كما في الدنيا، رد الله عليهم زعمهم هذا بقوله: {أَفَنَجْعَلُ} يعني: أيزعم الكفرة المفسدون المفرطون أنَّا نجعل {ٱلْمُسْلِمِينَ} المتصفين بالإيمان والأعمال الصالحة، المنزهين عن مطلق العصيان ولوازمه {كَٱلْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35] الموصوفين بأنواع الجرائم والآثام الخارجة عن مقتضى الأحكام الإلهية الجارية على مقتضى الحكمة والعدالة.
{مَا لَكُمْ} أي: ما عرض عليكم، ولحق بكم أيها العقلاء حتى أخرجكم عن مقتضى العقل الفطري {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 36] وتدعون مساواة المسيء مع المحسن، فيكف يفضله عند العليم الحكيم، المتقن في عموم الأفعال على مقتضى القسط والعدالة؟!
أتحكمون هذا بمقتضى رأيكم الفاسد أيها الضالون؟! {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ} نازل عليكم من السماء {فِيهِ} أي: في الكتاب {تَدْرُسُونَ} [القلم: 37] وتقرؤون هكذا؟!
{إِنَّ لَكُمْ فِيهِ} أي: في الكتاب {لَمَا تَخَيَّرُونَ} [القلم: 38] أي: ما تختارون لأنفسكم وتشتهونه من خير ما تجدون فيه.
{أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ} عهود ومواثيق مؤكدة لازمة {عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} مشتملة متضمنة لهذا {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} [القلم: 39] به علينا من أن الخير والكرامة لكم عند الله أكثر مما لنا؟!
{سَلْهُمْ} يا أكمل الرسل، وفتش عنهم على سبيل التبكيت والإلزام: {أَيُّهُم} {بِذَلِكَ} الحكم {زَعِيمٌ} [القلم: 40] قائم يستدل عليه ويصححه، أهو؛ أي: الزعيم المستدل واحد منهم؟!
{أَمْ لَهُمْ} في هذا الدعوى {شُرَكَآءُ} متشاركون في هذا القول والحكم، وهم يقلدونهم؟! فإن ادَّعوا شركاء قل لهم نيابةً عنَّا: {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ} حتى يثبتوا الدعوة ويصححوها {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} [القلم: 41] في هذه الدعوة.
وبعدما بهتوا اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يُكْشَفُ} الأمور الخطوب {عَن سَاقٍ} أي: عن أصلها وحقيقتها، وتبلى السرائر برمتها، وارتفعت حجب الأغيار وسدل الاعتبار بأسرها، وبالجملة: لم يبق إلا الله الواحد القهار {وَيُدْعَوْنَ} حينئذٍ هؤلاء الأظلال الهالكون في تيه الحيرة والضلال {إِلَى ٱلسُّجُودِ} والتذلل على وجه الانكسار لدى الملك الجبار {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] حينئذٍ؛ لمضيّ نشأة الاختيار، وأوان الاختبار.