التفاسير

< >
عرض

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٢٦
يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٧
-الأعراف

تفسير الجيلاني

{قَالاَ} متضرعين متذللين معترفين على زلتهما: {رَبَّنَا} يا من ربانا على الكرامة لمقتضى فضلك وجودك {ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} بمتابعة عدوا {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} لم تتجاوز عنا {وَ} لم {تَرْحَمْنَا} بفضلك {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] خسراناً عظيماً.
ثم لما صدر منما ما صدر بوسوسة عدوهما، أمر سبحانه بإخراجهما عن دار السرور إلى دار الابتلاء والغرور؛ حيث {قَالَ ٱهْبِطُواْ} انزلوا وانحطوا أيها المتجاوزون عن حدودنا أصلاً وفرعاً، تابعاً ومتبوعاً عن مقر العز ومرتبة الإطلاق والتجريد الخالي عن جميع الإضافات، والتقييد إلى محل الكون والفساد، ومنزل البغي والعناد؛ إذ {بَعْضُكُمْ} في دار الدنيا التي هي نشأة الاختبار والابتلاء {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أبداً لا يرتفع الخصومة عنكم أصلاً {وَلَكُمْ} أيها المتخاصمون {فِي ٱلأَرْضِ} أي: مرتع الطبيعة {مُسْتَقَرٌّ } موضع قرار {وَمَتَاعٌ} تمتع من لذاتها وشهواتها {إِلَىٰ حِينٍ} [الأعراف: 24] أي: على انقضاء آجالكم وانقطاع مآلكم.
ثم لما تحيروا واضطربوا في أمرهما وفساد حالهما {قَالَ} سبحانه منبهاً عليهما: {فِيهَا} أي: في أرض الطبيعة {تَحْيَوْنَ} بالحياة الطبيعية {وَ} أيضاً {فِيهَا تَمُوتُونَ} بالموت الطبيعي {وَمِنْهَا} أيضاً {تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25] لجزاء ما كسبتم من الخير والشر، والتقرب والخير، والتبعد في حياتكم الطبيعية التي هي دار الابتلاء ومزرعة الأجر والجزاء، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
ثم قال سبحانه منادياً لكم في مقام الامتنان وتعديد النعم والإحسان؛ لتواظبوا شكر نعمه، وتداوموا على انقياده وإطاعته بعدما صدر عنكم الكفر والخروج عن مقتضى أمره ونهيه: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ} المجبولين على فطرة الخلافة والنيابة {قَدْ أَنزَلْنَا} من مقام جودنا {عَلَيْكُمْ لِبَاساً} عقلاً مدبراً {يُوَارِي} ويستر بتدبيره {سَوْءَاتِكُمْ} مقتضيات بشريتكم وبهيميتكم {وَ} أيضاً وهبنا لكم من غاية لطفنا {رِيشاً} معارف وحقائق نزينكم ونميزكم بها عن جميع المخلوقات، ونستخلفكم بسببها من بين سائر البريات {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته خير لكم وحقيق لفطرتكم، فعليكم أن تلبسوها وتتحفظوا بها عما لا يليق بمرتبتكم وفطرتكم {ذٰلِكَ} أي: التقوى {خَيْرٌ} لكم إن أردتم أن تصلوا إلى مرتبة التوحيد التي جبلتم لأجلها {ذٰلِكَ} أي: المذكور {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على استقلاله في ألوهيته وربوبيته، إنما أنزلها عليهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] رجاء أن يتذكروا نعمه فيعرفوا المنعم وينكشفوا بتوحيده.
ثم ناداهم وأوصاهم ثانياً بقوله: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} مقتضى خلافتكم ونيابتكم أن {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي: لا يوقعنكم في الغي والضلال بغتة ووسوسة {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ} بالفتنة والغرور {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} هي دال السرور، وأهبطهما بوسوسته إلى الأرض التي هي محل الفساد ومنشأ الشرور حين {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} أي: تسبب للنزع حين تغريرهما وإغرائهما إلى تناول المنهي {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} انتقاماً منهما.
فعليكم أيها الأبناء أن تجتنبوا عن غوائله وتعوذوا إلى الله عن جميع مخايله، وتتخذوه وقاية ووكيلاً حتى تتخلصوا عن وسوسة شياطين الأهواء المضلة، وعليكم ألا تغفلوا عنه؛ إذ {إِنَّهُ} دائماً {يَرَاكُمْ} ويراقبكم {هُوَ} إذ الشيطان نفسه {وَقَبِيلُهُ} جنوده الأمارة بالسوء رؤية صادرة عن محض العداوة {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} إذ هم متركزون في نفوسكم التي بين جنبيكم، يضلكم ويغويكم على صورة الهداية والإرشاد، فعليكم أن تخالفوا أهواء نفوسكم وتجانبوا مناها ومشتهياتها، ومع ذلك تضرعوا نحونان وتعوذوا بنا {إِنَّا جَعَلْنَا} مقتضى حكتمنا المتقنة {ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ} مسلطين {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] بتوحيدنا واستقلال استيلائنا.