التفاسير

< >
عرض

إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً
٢٣
حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً
٢٤
قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً
٢٥
عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً
٢٦
إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
٢٧
لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
٢٨
-الجن

تفسير الجيلاني

{إِلاَّ بَلاَغاً} وتبليغاً {مِّنَ ٱللَّهِ} ما أوحى إليَّ {وَ} سوى أداء {رِسَالاَتِهِ} التي أرسلني بها، وما لي سوى الإبلاغ والتبليغ {وَ} من جملة ما أُوحي ليَّ: إنه {مَن يَعْصِ ٱللَّهَ} ويعرض عنه وعن عبادته من عباده {وَ} لم يصدق {رَسُولَهُ} المستخلف منه، القائم بأمره {فَإِنَّ لَهُ} أي: حق وثبت له {نَارَ جَهَنَّمَ} في النشأة الأخرى، وبالجملة: صار العاصون المعرضون {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [الجن: 23] لا نجاة لهم منها أصلاً.
وهم لا يزالون لى عصيانهم بالله، مستظهرين بما معهم من الجاه والثروة، وكثرة الأموال والأولاد في نشأتهم الأولى {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} في النشأة الأخرى {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذٍ {مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً} [الجن: 24] النبي وأتباعه، أم المشركون ومن معهم؟.
وبعدما سمع المشركون: {إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} قالوا على سبيل الإنكار الاستبعاد: متى يكون؟ فقيل من قِبَل الحق: {قُلْ} يا أكمل الرسل: إنه كائن لا محالة، لكن وقته مفوض إلى علم الله {إِنْ أَدْرِيۤ} أي: ما أعلم {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} أي: وقوعه وقيامه {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ} ولوقوعه {رَبِّيۤ أَمَداً} [الجن: 25] بعيداً، وأجلاً طويلاً؛ إذ هو من جملة الغيوب التي استأثر الله بها؟.
إذ هو {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} حسب حكمته {فَلاَ يُظْهِرُ} ولا يطلع {عَلَىٰ غَيْبِهِ} المختص به {أَحَداً} [الجن: 26] من خلقه.
{إِلاَّ} أي: يطلع من بعض غيوبه على {مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} مأمور على غيبه، له قابلية الخلافة والنيابة عنه سبحانه {فَإِنَّهُ} يطلعه من غيبه على سبيل الوحي والإلهام حين {يَسْلُكُ} ويوكل سبحانه؛ لحفظه وحراسته {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: بين يدي المرتضى {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [الجن: 27] حراساً من الملائكة يحرسونه من استراق الشياطين، واختطافهم وتخليطهم.
وإنما فعل كذللك عند إطلاعه ووحيه إلى رسوله {لِّيَعْلَمَ} الرسول الموحى إليه {أَن} أي: إنه {قَدْ أَبْلَغُواْ} أي: حاملو الوحي مطلقاً {رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} على وجهها مصونة محروسة عن اختطاف الشياطين، وتخليطاتهم المغيرة لها {وَ} الحال إنه سبحانه قد {أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: لدى لارسل والملائكة جميعاً علماً وحضوراً، بل {وَ} قد {أَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ} دخل في حيطة الوجود {عَدَداً} [الجن: 28] بحيث لاي يعزب عن حيطة علمه وإحاطته شيء مما لمع عليه برق الوجود.
خاتمة السورة
عليك أيها المحقق المنكشف بإحاطة العلم الإلهي ولوح قضائه، وقلم تصويره وتخطيطه أن تعتقد وتذعن أن عمومم ما رجى في ملكه وملكوته إنما هو بأمره ووحيه، ونفوذ قضائه ومضاء حكمه على حسب الحضور، بحيث يجتمع عند حضوره الأزل والأبد، والأولى والأخرى، والغيب والشهادة؛ إذ لا انقضاء دونه، ولا انصرام ولا تجدد لديه، ولا انخرام، بل الكل بالنسبة إلى قدرته وإرادته على سواء بلا تفاوت وتخالف.
جعلنا الله من المنكشفين بحضور الحق وشهوده، مع كل شيء ودونه بمنِّه وجوده.