التفاسير

< >
عرض

وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً
٨
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً
٩
وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
١٠
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً
١١
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً
١٢
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً
١٣
-الجن

تفسير الجيلاني

{وَأَنَّا} كنا قبل نزول القرآن {لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} أي: طلبنا البلوغ إليها، والصعود نحوها؛ لنسترق من أخبار الملائكة، ونخبر بها الكهنة، ونوقع الفتنة في العالم السفلي {فَوَجَدْنَاهَا} أي: السماء اليوم {مُلِئَتْ} وامتلأت {حَرَساً} أي: حراساً حافظين {شَدِيداً} أقوياء على الحفظ والحراسة {وَشُهُباً} [الجن: 8] جمع شهاب، وهو المضيء المتراكم من النار، نرجم بها ونطرد من حواليها.
{وَ} بالجملة: {أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أي: من السماء {مَقَاعِدَ} صالحة {لِلسَّمْعِ} والاستماع {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ} بعد نزول القرآن في تلك المقاعد {يَجِدْ لَهُ} وعنده {شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9] راصداً قاصداً له، يرجمه ويمنعه من الاستماع.
{وَأَنَّا} اليوم {لاَ نَدْرِيۤ} ونعلم {أَشَرٌّ} وفتنة {أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي: بالساكنين عليها بحراسة السماء، ومنع أخبارها عنهم {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 10] يهديهم إلى التوكل والتسليم، وكمال تفويض أمورهم إلى العليم الحكيم، بحيث لا يحترزون عمَّا جرى عليهم من قضائه بأخبار السماويين؟.
{وَأَنَّا} أي: نحن المخبورون {مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ} الأبرار المؤمنون، الآمنون الأمينون لا يختلط بالأخبار المسموعة من الأكاذيب {وَمِنَّا} قوم {دُونَ ذَلِكَ} لا أمانة لهم حتى يؤدوا الأخبار على وجهها، بل يوقعون الفتن والمحن بين الناس؛ إذ {كُنَّا طَرَآئِقَ} أي: طرائق ومذاهب {قِدَداً} [الجن: 11] مفترقة مختلفة؛ لذلك منعنا بأجمعنا عن استراق الأخبار السماوية، وانحصر الأمر بالوحي الإلهي؛ حتى لا يختل أمر النظام الموضوع على القسط والعدالة الإلهية.
{وَأَنَّا} بعدما كوشفنا بهداية القرآن، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم تركنا ما كنا علين من الضرر والإضرار لعباد الله؛ إذ {ظَنَنَّآ} بل علمنا يقيناً {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على أنواع الانتقام كائنين {فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ} أيضاً {هَرَباً} [الجن: 12] منه سبحانه إلى السماء، أو إلى أيّ مكان شئنا.
{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} أي: القرآن الموضح لطريق التوحيد {آمَنَّا بِهِ} واهتدينا بهدايته {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ} ويوقن بوحدانيته {فَلاَ يَخَافُ} أي: فهو لا يخاف {بَخْساً} نقصاً في الجزاء والثواب {وَلاَ رَهَقاً} [الجن: 13] ذلة تذله في الدارين؛ لأن من آمن اعتدل، ولم يبخص حق أحد، ولم يذله بظلم، فكذلك لا يبخص ولا يظلم.