التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
١٩
-المزمل

تفسير الجيلاني

اذكر لهم يا أكمل الرسل، وإن لم يصدقوا {يَوْمَ تَرْجُفُ} تضطرب وتتزلزل {ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ} من شدة الحركة والاضطراب اندكت وتناثرت فصارت {كَثِيباً} رملاً مجتمعاً {مَّهِيلاً} [المزمل: 14] منثوراً، تذروه الرياح حيث شاء، كسائر الرمال الآن في البراري والبوادي.
وكيف لا نأخذ المجرمين المشركين بظلمهم يومئذٍ، ولا نعذبهم بأنواع العذاب {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ} يا أهل مكة بعدما انحرفتهم عن جادة العدالة على مقتضى سنتنا في الأمم السالفة {رَسُولاً} ناشئاً منكم؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {شَاهِداً} يشهد {عَلَيْكُمْ} يوم القيامة بالإجابة والامتناع بعدما أمرنا له، وأوحينا إليه أن يدعوكم إلى الإيمان، ويأمركم بالطاعات والإحسان {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} الطاغي الباغي {رَسُولاً} [المزمل: 15] يعني: موسى الكليم عليه السلام؛ ليدعوه إلى الإيمان، وبأمره بلوازمه.
وبعدما دعاه وأمره بما أمر به الحق {فَعَصَىٰ} وتكبر {فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} وعتا عليه، واستكبر عن دعوته {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} [المزمل: 16] ثقيلاً شديداً إلى حيث أغرقناه وجنوده في اليم، وأورثنا أرضه ودياره وأمواله لبني إسرائيل.
هذا أخذُنا إياهم في النشأة الأولى، وفي الأخرى بأضعافها وآلافها، فأنتم أيضاً يا أهل مكمة مثل فرعون عصيتم رسلوكم الذي أُرسل إليكم؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، فنأخذكم مثلما أخذنا فرعون، في الدنيا نجعلكم صاغرين مهانين، وفي الآخرة مسجونين بعذاب أليم، مخلدين في النار أبد الآبدين.
ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع تهويلاً عليهم، وتعريضاً: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ} وتحفظون أنفسكم أيها المنهمكون في أنواع الغفلات والجهالات {إِن كَفَرْتُمْ} وبقيتم على الكفر، ومتم عليه، مع أنكم ستسقبلون وتقعون يوماًن وأيّ يوم {يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} [المزمل: 17] من غاية طوله، وشدة أهواله وأحزانه؟!
هذا على وجه التمثيل والتشبيه بحسب متفاهم العرف، وإلاَّ فلا يكتنه هول ذلك اليوم وشدته بالوصف والبيان.
ومن جملة ما يدل على شدة هوله: إنه {ٱلسَّمَآءُ} المشيدة المحكمة {مُنفَطِرٌ بِهِ} أي: متشققة متضعضعة، منخرمة في ذلك اليوم بمقتضى قهر الله وجلاله، وكيف لا يكون كذلك بعدما وعد الله القادر المقتدر على عموم ما دخل في حيطة علمه وإرادته بوقوعه، ولا شك أنه {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} [المزمل: 18] دائماً، وأمره مقضياً أبداً، وحكمه مبرماً أزلاً، وقضاؤه نافذاً سرمداً؟!
{إِنَّ هَـٰذِهِ} الكلمات الدالة على إنجاز وعد الله {تَذْكِرَةٌ} وعظة للمتعظين المتذكرين من أرباب العناية والتوفيق {فَمَن شَآءَ} أني يتعظ بها {ٱتَّخَذَ} وأخذ {إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} [المزمل: 19] بعدما وفقه الحق، وأعان عليه بالخروج عن لوازم الإمكان، وهداه للعروج إلى معارج الوجود مترقياً من درجة إلى درجة، ومقام إلى مقام إلى أن وصل إلى مبدأ طريق الفناء، ثمَّ ترقى منه أيضاً من حاله إلى حالة إلى أن فني عن الفناء أيضاً، وبعد ذلك ذار ما صار، وليس وراء الله مرمى ومنتهى.