التفاسير

< >
عرض

هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ
٣٥
وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
٣٦
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٣٧
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ
٣٨
فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
٣٩
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٤٠
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ
٤١
وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
٤٢
كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٤٣
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٤٤
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٤٥
كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ
٤٦
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٤٧
وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ
٤٨
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٤٩
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
٥٠
-المرسلات

تفسير الجيلاني

وبعدما سقاهم الخزنة إليها بالزجر التام، والعنف المفرط، فأخذوا يطرحونهم إليها مهانين صاغرين، وهم يتضرعون صائحين فزعين، قيل لهم حينئذٍ {هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} [المرسلات: 35] إذ نطقهم كاللانطق في عالم الدفع والنفع.
{وَلاَ يُؤْذَنُ} حينئذٍ {لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36] إذ لا يُسمع منهم العذر؛ لانقضاء نشأة التلافي والتدارك بالأعذار والتوبة.
وبالجملة: {وَيْلٌ} عظيم {يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 37] وأيّ ويل، ويل لا يكتنه غوره وطوره، وشدة هوله.
ثمَّ قال لهم سبحانه حينئذٍ توبيخاً وتقريعاً: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} بين المحق والمبطل، والمسيء والمحسن {جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} [المرسلات: 38] أي: جمعنا الآخرين والأولين، والسابقين واللاحقين فيه.
{فَإِن كَانَ لَكمُ} أيها المكلَّفون {كَيْدٌ} ومكر تقاومون به معي، وتدفعون به عنكم عذابي {فَكِيدُونِ} [المرسلات: 39] وامكروني إن استطعتم.
وإلاَّ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 40] حتماً؛ لأنه من أين يتأتى بينهم المكر والكيد، والحيلة والخداع مع الله في التخلص من العذاب، سيما في تلك الحالة؟!
وبالجملة: سوقوا نحو النار، وطُرحوا فيها مهانين، وعُذبوا بها صاغرين خالدين.
ثمَّ أردف سبحانه وعيد المكذبين بوعد المصدقين فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} من الشرك والمعاصي، المصدقين بيوم الدين مستغرقون يومئذٍ في أنواع التنعم والترفه {فِي ظِلاَلٍ} ممدودة في ظلال البساتين {وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41] جارية فيها.
{وَفَوَاكِهَ} كثيرة {مِمَّا يَشْتَهُونَ} [المرسلات: 42].
ويقال لهم حينئذٍ تلطفاً وتكريماً: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً} لكم مريئاً {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات: 43] من الأعمال الصالحة، والأخلاق المرضية المثمرة لتلك الحالات العليَّة والمقامات السنيَّة.
{إِنَّا كَذَلِكَ} أي: مثل ما أنتم عليه من الترفه والتنعم {نَجْزِي} عموم {ٱلْمُحْسِنِينَ} [ المرسلين: 44] المخلصين في الأعمال والأخلاق، الراضين بما جرى عليهم من مقتضيات القضاء.
وبالجملة: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 45] لكم هذا النعيم المقيم، ولهم ذاك العذاب الأليم.
ثمَّ قيل للمكذبين من قِبَل الحق زجراً عليهم، وتوبيخاً لهم بما اختاروا اللذة الفانية على اللذة الباقية على سبيل الفرض والتقدير، كأنهم أُمروا به في النشأة الأولى: {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ} بالأمتعة الدنيوية زمناً {قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} [المرسلات: 46] بالجرائم العظيمة، مؤاخذون عليها في النشأة الأخرى بشؤم تكذيبكم بما أُمرتم بتصديقهز
وبالجملة: {وَيْلٌ} عظيم {يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 47] إذ عرضوا أنفسهم على العذاب المؤبَّد المخلَّد.
{وَ} كيف لا يؤاخذون أولئك المعاندون المكابرون، كانوا من كمال اسكتبارهم وعتوهم {إذَا قِيلَ لَهُمُ} إمحاضاً للنصح: {ٱرْكَعُواْ} تواضعوا لأمر الله، واخضعوا لحكمه، وانقادوا وصلوا نحوه متذللين {لاَ يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] من غاية استكبارهم واستعظامهم، ولا يمتثلون لحكم الله وأمر رسوله، ولا يطيعون لهم تعنتاً وعناداً، بل يكذبونهم ويستهزئون معهم؟!
لذلك يحل عليهم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 49] المستهزئين مع رسل الله، الظاهرين عليهم بالإشارة والاستكبار، المتكبرين بما نزل عليهم من الكتب المبيِّنة لمعالم الدين، ومراسم التوحيد واليقين.
وبعدما لم يؤمنوا بهذا الكتاب المبين المبيِّن لطريق الحق، ومنهج الصدق والصواب {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} أي: بعد القرآن {يُؤْمِنُونَ} [المرسلات: 50] أولئك المنكرون المعاندون المسرفون؟!
جعلنا الله ممن آمن به، وامتثل بما فيهن وتفطن برموزه وإشاراته بمنِّه وجوده.
خاتمة السورة
عليك أيها الموحد المحمدي، القاصد لسلوك طريق الهداية والتوفيق، العازم على التحقق والتمكن في مقعد صدق التوحيد والتحقيق - يسَّر الله عليك مبتغاك - أن تتمسك بحبل المتين القرآني، و تتشبث بأذيال هدايته وإرشاده، وتمتثل بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام الموردة فيه، وتتفطن بما رمز له، وأُشير إليه من المعارف والحقائق المصفِّية لسرك على الالتفات إلى ما سوى الحق، المعدَّة لقلبك لفيضان الكشف والشهود، فلك أن تتبتل على الله حسب استعدادك، وتتخلق بالأخلاق المحمدية التي هي القرآن.
والتوفيق بيد الله، والهداية عنده، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.