التفاسير

< >
عرض

إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٩
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
٢٠
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٢١
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ
٢٢
وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٣
-الأنفال

تفسير الجيلاني

ثمَّ قال سبحانه على سبيل التهكم للكافرين الذين كانوا إذا أقبل عليهم المؤمنون للقتال يطوفون حول الكعبة مشبثين بأستارها متضرعين مستفتخحين من الله، قائلين: اللهمَّ انصر أعلت الجندين وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} أيها ا لهالكون في تيه الضلال؛ لمقاتلة نبينا ومن تبعه من المؤمنين {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} بقتلكم وسبيكم؛ أي: غلبة المؤمنين عليكم {وَإِن تَنتَهُواْ} عن مقاتلتهم ومعاداتهم، وعن الاستفتاح لها، بل آمنوا كما آمن هؤلاء لنبينا عن ظهر القلب {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} في أولاكم وأخراكم {وَإِن} صالحوا معهم وآمنوا نفاقاً، ثمَّ ارتدوا، بأن {تَعُودُواْ} إلى مقاتلتهم ومعاداتهم {نَعُدْ} إلى نصرهم وتأييدهم إلى أن يستأصلوكم ويخرجوكم من دياركم.
{وَ} لا تغتر بكثرة عددكم وعددكم؛ إذ {لَن تُغْنِيَ} وترفع {عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ} التي تستظهرون بها {شَيْئاً} من غلبة المؤمنين وظفهرم {وَلَوْ كَثُرَتْ} فئتكم {وَ} كيف تغني فئتكم شيئاً منهم {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر بالقدرة الكاملة {مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] المجاهدين في سبيله؛ لإعلاء كلمة توحيده، ونصر دينه ونبيه ينصرهم ويعين عليهم.
ثمَّ قال سبحانه منادياً للمؤمنين توصيةً: وتذكروا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} إطاعة الله {وَ} إطاعة {رَسُولَهُ} المبلغ لكم أحكام الحق وشعائر دينه وتوحيده {وَ} عليكم أن {لاَ تَوَلَّوْا} أي: لا تتولوا معرضين {عَنْهُ} عن رسوله حتى لا تنحطوا عن رتبة الخلافة، وكيف لا تطيعون رسوله {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] كلمة الحق منه سمعاً وطاعةً؟!.
{وَلاَ تَكُونُواْ} في عدم الإطاعة والانقياد له {كَالَّذِينَ قَالُوا} كفراً ونفاقاً: {سَمِعْنَا} ما تلوت علينا {وَهُمْ} من غاية بغضهم ونفاقهم {لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] سمع إطاعة وتسليم، فكأنهم لم يسمعوا أصلاً، بل لا يتأتى منهم السماع لانحطاطهم عن رتبة العقلاء، ولحقوا بالبهائم في عدم الفطنة، بل أسوأ حالاً منها.
{إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ} عن استماع كلمة الحق عن ألسنة الرسل والإطاعة بها {ٱلْبُكْمُ} عن التكلم بها بعدما فهموه، ولاحت عندهم حقيقتها، وبالجملة: هؤلاء هم {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] أي: ليسوا من زمرة العقلاء وإن ظهروا على صورتهم وشكلهم. {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ} أي: من استعداد هؤلاء السفهاء المنحطين عن مرتبة العقلاء {خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} كلمة الحق سمعَ طاعة {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} مع أنهم ليسوا مستعدين له {لَتَوَلَّواْ} وانصرفوا؛ من خبث طينتهم عنها {وَّهُمْ} في أصل فطرتهم {مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] مجبولون على الأعراض، ولا يرجى منهم الإطاعة أصلاً.