التفاسير

< >
عرض

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
٥
يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ
٧
لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ
٨
-الأنفال

تفسير الجيلاني

{كَمَآ} أعطاك يا أكمل الرسل حين {أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} حين أخبرك جبريل عليه السلام من إقبال عير مكة من قبل الشام، وفيها أبو سفيان ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {وَ} الحال {إِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] خروجك.
ومن كمال كراهتهم {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} الصريح الذي هو الجهاد، سيما {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} وظهر لك بوحي الله إياك، ووعده النصر والظفر لك، وهم من غاية رعبهم حين خروجهم {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} مثل البهائم إلى المسلخ {وَهُمْ} حينئذٍ {يَنظُرُونَ} [الأنفال: 6] حيارى مرعوبين، ومع أ،هم كتب له الظفر والغنيم، والغلبة من عند ربهم.
"وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام، وفيهم أبو سفيان مع أربعين من الفرسان ومعهم تجارة عظيمة، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر به الرسول للمؤمنين فخرجوا مسرعين بلا عدة استقلالاً لهم وميلاً إلى أموالهم، فلمَّا خرجوا من المدينة بلغ خبر خروجهم إلى العير فانصرفوا إلى الطريق، وأرسلوا خبرهم إلى مكة فاستغاثوا، فخرج أبو جهر مع جمع كثير فمضوا إلى بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي دفران، فنزل جبريل عليه السلام ثانياً يعده إحدى الطائفتين؛ أي: العدو و العير، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وإن كان رأيه إلى المقاتلة مع العدو.
فقال بعضهم: هلاَّ ذكرت لنا القتال؛ حتى نتأهب له، إنَّا خرجنا للعير، فقال صلى الله عليه وسلم: إن العير مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا كارهين مرعوبين خائفين: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بالعير، ودع العدو فضغب صلى الله عليه وسلم، فقال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض بما أمرك الله، فإنَّا معك حيثما أحببت، لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب انت وربك فقالات، إنَّا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: إذه بأنت وربك فقالا، إنَّا معمكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - مدينة بأقضى الحبشة - مضينا معك لا تكاسل و مخالفة، فدعا صلى الله عليه وسلم خيراً.
ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: اجتمعوا علي أيها الناس، يريد الأنصار القائلين حين بايعوه على العقبة أنهم براء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف ألاَّ يروا نصرته إلا على عدوهم بالمدينة، فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: قد آمنا لك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطينا على ذلك عهوداً ومواثيق على السمع والطاعة لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت على البحر لخضنا معك بلا تخلف أتحسب أنَّا إذا لا قينا العدو نتكاسل ونتساهل، ولعل الله يريد منا ما تقر به عينك.
ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشطه ول سعد، ثمَّ قال: سيروا على بركة الله، وأبشروا فإن الله سبحانه وعدني الآن إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم"
.
{وَ} اذكروا أيها المؤمنين وقت {إِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ} بالوحي على رسوله {إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ} مغلوبة مقهورة {أَنَّهَا لَكُمْ وَ} أنتم حين سمعتم الوحي {تَوَدُّونَ} وتحبون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} أي: العير {تَكُونُ لَكُمْ} لأن أهلها قليل، ومالها كثير لا احتياج لكم إلى المقاتلة معهم؛ لقلتهم وعدم شركتهم {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ} بمقتضى قهره وقدرته {أَن يُحِقَّ} أي: يثبت ويظهر {الحَقَّ} أي: التوحيد المطابق للواقع الذي هو الإسلام {بِكَلِمَاتِهِ} الملقاة من عنده لملائكته حين أمرهم بإمداد حبيبه الذي بعثه؛ لإعلاء كلمة توحيده {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] أي: يستأصلهم إلى حيث لم يبق منهم من يستخلفهم، كل ذلك فضل من الله وامتنان على رسوله.
{لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أي: الإسلام المحقق المطابق لما عند الله {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} المخالف لدين الإسلام {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] المصرون على ما هم عليه قبل نزول الإسلام، ما أراد الله من تحقيق الحق وتمكينه، وإبطال الباطل وتخذيله.