التفاسير

< >
عرض

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ
١
وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ
٢
وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ
٣
وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
٤
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
٥
يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ
٦
ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
٧
فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ
٨
-الانفطار

تفسير الجيلاني

{إِذَا ٱلسَّمَآءُ} المعبرَّر بها عن العلويات والمتأثرات عن الأسماء والصفات الإلهية {ٱنفَطَرَتْ} [الانفطار: 1] انشقت وانخرقت، ولم يبق قابليتها للتأثر والاستعداد من الأسماء والصفات.
{وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ} التي تعينت عليها بالهويات، وتكثرت بالهياكل والماهيات {ٱنتَثَرَتْ} [الانفطار: 2] وتفرقت أوضاعها، وتلاشت أشكالها وهيئاتها.
{وَإِذَا ٱلْبِحَارُ} المستحدثة من صعود الأمواج المتراكمة، المترادمة على بحر الوجود واتصف كل واحد منها بالصفات المتنوعة، مثل الغيب والشهادة، والأولى والأخرى، إلى غير ذلك من العوالم التي لا تُعدّ ولا تُحصى {فُجِّرَتْ} [الانفطار: 3] انفجرت وانفتحت بعضها على بعض، وارتفعت صور الأمواج، واتصل الكل فصار بحراً واحداً وحدانياً على ما كان أزلاً وأبداً.
{وَإِذَا ٱلْقُبُورُ} المندرسة المتنكسة التي لم يبق في أجوافها شيء من أمارات عالم الناسوت {بُعْثِرَتْ} [الانفطار: 4] قلبت وبحثرت، وخرج من مطاوبها ما فيها من حصة عالم اللاهوت.
{عَلِمَتْ} يومئذٍ {نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ} في نشأة الاختبار والاعتبار من صوالح الأعمال، ومحاسن الأخلاق والأطوار {وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5] أهملت وتركت فيها منها.
ثمَّ نادى سبحانه مظهر الإنسان، المصور بصورة الرحمن بداءً معاتبةً وتخجيلاً على ما عرض عليه من الغفلة والنيسان، مع أنه جُبل على فطرة التوحيد والعرفان، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ} المنعم عليك بأنواع الإنعام والإحسان {مَا غَرَّكَ} أي: أيّ شيء خدعك ومكر بك حتى جبرك على الكفر والعصيان {بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]؟!
{ٱلَّذِي خَلَقَكَ} أوجدك وصوَّرك في أحسن تقويم {فَسَوَّاكَ} أي: سوَّى أعضاءك وجوارحك سليمة عن مطلق العيوب.
{فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] أي: جعلك معتدل المزاج، متناسب الأعضاء، مطبوع الهيكل.
وبالجملة: {فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] يعني: في أيّ صورة بديعة عجيبة، ممتازة عن صور عموم الحيوانات تعلَّق بها مشيئته وإرادته ركبك عليها؛ أيك انتخب صورتك من صور جميع المظاهر فركبك عليها.
قيل للفضيل بن عياض - قُدِّس سره -: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة، وقال: يا فضيل ما غرَّك بربك الكريم، ماذا كنت تقول؟ فقال: أقول: غرني ستورك المرخاة.
وقال يحيى بن معاذ - قُدِّس سره -: لو أقامني سبحانه بين يديه، فقال: يا يحيى ما غرَّك بي؟ قلت: غرَّني برك بي سالفاً وآنفاً.
وقال أبو بكر الوراق - قُدِّس سره -: لو قال لي: ما غرَّك بربك الكريم؟ لقلت: كرم ربي الكريم.
وأنا الفقير الحقير، خادم الفقراء وتراب أقدامهم، أقول لو قال لي ربي: ما غرَّك بربك؟ لقلت: كفالتك بي، وكونك سمعي وبصري، وعموم قواي ومشاعري، يا ربي.