التفاسير

< >
عرض

كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٢٠
يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢١
إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ
٢٦
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٢٧
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢٨
-المطففين

تفسير الجيلاني

ثمَّ كرر سبحانه لفظة: {كَلاَّ} ردعاً لهم بعد ردع، تأكيداً وتقريعاً؛ وليكون توطئة وتمهيداً لتعقيب وعيدهم بوعد المؤمنين، مع أن في هذا التعقيب زيادة زجر وتقريع عليهم بما اقترفوا من الآثام والعصيان، المؤدية إلى دار الندامة والحرمان {إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ} أي: ما كتب فيه عموم آثارهم الصالحة، الصادرة عنهم إيماناً واحتساباً، ثقةً بالله، وخوفاً من غضبه، محفوظة فيه جميع ما ذكر، محكوم عليهم بمقتضى ما فيه، إنهم {لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18] أي: متمكنون في أعلى درجات الجنة، وأرفع مقاماتها.
ثمَّ أيهمه سبحانه تعظيماً وتفخيماً فقالأ: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أيها البار المبرور {مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19] وما شأنه الرفيع، ومكانته البديعة، وما فيها من اللذات الروحانية التي من لم يذقها لم يعرفها؟!
رزقنا الله الوصول إليها، والحصول دونها.
وبالجملة: كتاب الأبرار {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} [المطففين: 20] بين الرقم والرسوم.
{يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 21] أي: أرباب العناية والتوفيق فيعلمون أن ما فيه خير كله بمجرد رؤيتهم وشهودهم في بادئ النظر.
وبالجملة: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} البارين على الله، المبرورين بين الناس {لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين: 22] مقيم.
متكئين {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} المصورة من صالحات أعمالهم، وصفاء عقائدهم وأخلاقهم {يَنظُرُونَ} [المطففين: 23] إلى ما يسرهم ويفرحهم من الصور الحسنة، والمنتزهات البديعة.
بحيث {تَعْرِفُ} أيها الرائي {فِي وُجُوهِهِمْ} في بادئ الرأي {نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} [المطففين: 24] بهدة التنعم، وبرق الرضا والتسليم.
مع ذلك {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} خمر من خمور المحبة والولاء {مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25] مطبوع على غيرهم، بحيث لا يشمون روائحها أصلاً.
{خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي: روائحه الواصلة لهم منَّا قبل كشفهم عنه ختامه كالمسك، بلا كراهة وبشاعة، كخمور الدنيا {وَفِي ذَلِكَ} أي: في رحيق التحقيق، وكأس المحبة والتصديق {فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] أي: فليرغب الراغبون لنفاسته وسرعة سوغه وانحداره، وكمال لذاته وذوقه.
{وَمِزَاجُهُ} أي: ما يخرج به، ويخلط من ماء المعارف والحقائق منتشياً {مِن تَسْنِيمٍ} [المطففين: 27] مقام عال، وهو ينبوع بحر الوجود الذي هو الوحدة الذاتية الإلهية.
فكان {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 28] أي: يشرب من عذبها وفراتها مَنْ تقرب نحو الحق باليقين الحقي، فإنهم يشربون من عين الوحدة بلا مزج وخلط.
ذقنا حلاوة نعيمك، وبرد يقينك، وشربة تسنيمك يا خير الرازقين.