التفاسير

< >
عرض

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ
١
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
٢
وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ
٣
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
٤
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
٥
يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ
٦
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ
٧
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً
٨
وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
٩
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ
١٠
فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً
١١
وَيَصْلَىٰ سَعِيراً
١٢
-الانشقاق

تفسير الجيلاني

{إِذَا ٱلسَّمَآءُ} أي: سماء عالم الطبيعة والأركان {ٱنشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وانخرقت لتصعد وتعرج الأرواح الفائضة إلى الأشباح نحو سماء الأسماء والصفات بعد خرق التعينات، ورفع الإضافات.
{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: أصغت وانقادت لحم ربها وأمره الذي مضى على انشقاقها {وَ} بعدما أمرت {حُقَّتْ} [الانشقاق: 2] لها، ولاقت بحالها أن امتثلت بالمأمور وانقادت.
{وَإِذَا ٱلأَرْضُ} أي: أرض الطبيعة والهيولي القابلة المجبولة لانعكاس تأثيرات سماء الأسماء والصفات {مُدَّتْ} [الانشقاق: 3] امتدت وانبسطت لقبول مطاويها.
{وَأَلْقَتْ} أخرجت فظهرت {مَا فِيهَا} من التقوى المودعة القابلة لفيضان أنوار الذات {وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 4] عن حفظ الأمانات بالإلهية.
{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} في الإلقاء والتخلية {وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 5] لها للاستئذان والإصغاء، ولاقتضاء مرتبة العبودية ذلك، حينئذٍ انكشفت لها جزاء ما كسبت واقترفت في نشأة الاختبار.
ثمَّ نادى سبحانه الإنسان نداء تنبيه وتخطية، وتحريك حمية فطرية، وسلسلة جبلية فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ} المصور على صورة الرحمن، المنتخب من بين سائر المظاهر لحكمة الخلافة والنيابة، ومصلحة المعرفة في التوحيد، فاعرف قدرك، ولا تغفل عن حقيقتك {إِنَّكَ كَادِحٌ} ساعٍ للتقرب والتوحيد {إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} وسعياً منتهياً إلى إفناء هويتك في هوية الحق، وبالجملة: {فَمُلاَقِيهِ} [الانشقاق: 6] يعني: أنت ملاقٍ ربك بمقتضى سعيك واجتهادك، فلك ألاَّ تفترق ما يوصلك إليه، ويفنيك فيه بعد جذب من جانب الحق، وتوفيق من لدنه؛ لتكون من أرباب اليمن والكرامة، الموسومين بأصحاب اليمين، المؤتين لهم صحف أعمالهم من قِبَل أيمانهم التي هي علامة إيمانهم وعرفانهم.
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ} المطوي المشتمل على تفاصيل ما صدر عنه {بِيَمِينِهِ} [الانشقاق: 7] الذي هو عنوان اليُمن والكرامة والرضوان.
{فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8] سهلاً سريعاً.
{وَيَنقَلِبُ} ويرجع بعد الحساب {إِلَىٰ أَهْلِهِ} الذي هم رفقاؤه في سبيل السعادة والكرامة {مَسْرُوراً} [الانشقاق: 9] مبسوطاً فرحاناً.
{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} [الانشقاق: 10] الذي هو عنوان الشقاوة، ودليل العتاب والعقاب، وأنواع الملامة والندامة.
{فَسَوْفَ يَدْعُواْ} ويتمنى {ثُبُوراً} [الانشقاق: 11] ويلاً وهلاكاً؛ لصعوبة حسابه، وغلبة سيئاته على حسناته.
{وَ} بالآخرة {يَصْلَىٰ} ويطرح صاغراً ذليلاً {سَعِيراً} [الانشقاق: 12] مسعراً بنيران الشهوات والغفلات الصادرة منه بمتابعة الأوهام والخيالات، وأنواع الضلال والجهالات الناشئة من القوى البهيمية الحاصلة من طغيان الطبيعة.