التفاسير

< >
عرض

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ
١٠١
وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٠٢
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٠٣
أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤
-التوبة

تفسير الجيلاني

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ} أيها المؤمنون {مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} الساكنين في البوادي قوم، هم {مُنَٰفِقُونَ} معكم، وإن إظهروا المؤدة والإخاء، والإيمان على طرف اللسان، لا تبالوا بإيمانهم، ولا تغفلوا عن خدعهم {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} أيضاً قوم {مَرَدُواْ} أي: رسخوا {عَلَى ٱلنِّفَاقِ} ومن شدة نفاقهم وتمرنهم عليه صاروا بحيث {لاَ تَعْلَمُهُمْ} أيها المتصف بالفراسة الكاملة من غاية تلبيسهم وإخفائهم، بل {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ونعلم ما في ضمائرهم من الخيالات الفاسدة {سَنُعَذِّبُهُم} في الدنيا {مَّرَّتَيْنِ} مرة بتفضيحهم وإظهار ما في قلوبهم من الأكنة والشقاق، ومرة بقتلهم وسبيهم وإجلائهم {ثُمَّ يُرَدُّونَ} بعد انقضاء النشأة الأولى {إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101] هو حرمانهم وانحطاطهم عن المرتبة الكاملة الإنسانية التي هي مرتبة الخلافة والنيابة الجامعة لجميع المراتب الكونية والكيانية.
{وَ} من أهل المدينة قوم {آخَرُونَ} ليسوا من المصرين على النفاق، المتمرنين فيه، بل {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم من المخالفة والبغض والطعن والاستخفاف، والغيبة حين خلوا مع المنافقين المتمرنين، وهم وإن صدر عنهم الإيمان والإخلاص، لكنهم {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً} من الإخلاص والرضاء، والتسليم {وَ} عملاً {آخَرَ سَيِّئاً} وهو اتفاقهم مع المنافقين في خوضهم وطعنهم، بذلك انحطوا عن رتبة المخلصين في جميع حالاتهم {إِنَّ ٱللَّهَ} أي: يوفقهم على التوبة والندامة، ويقبل منهم توبتهم بعدما أخلصوا فيها {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} المصلح لأحوال عباده {غَفُورٌ} لمن تاب وندم عن ظهر القلب {رَّحِيمٌ} [التوبة: 102] يقبل توبتهم إن أفرطوا.
{خُذْ} يا أكمل الرسل {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أي: من أموال هؤلاء المذنبين التائبين، النادمين عمَّا صدر عنهم من المخالفة حين أذنوا لك أن تخرج منها {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} عن أدناس الطبيعة المولعة لحب المال والحرص في جمعها ونمائها {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي: تصفي بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} واستغفر لذنوبهم، وادع لهم بالدعاء الخير {إِنَّ صَلَٰوتَك} والتفاتك بحالهم {سَكَنٌ لَّهُمْ} أي: سكينة لقلوبهم ووقار وطمأنينة، وسبب لتقررهم وتثبتهم على جادة التوحيد والإيمان {وَٱللَّهُ} المراقب عليهم في حالاتهم {سَمِيعٌ} لإخلاصهم ومناجاتهم {عَلِيمٌ} [التوبة: 103] بنيَّاتهم وحاجاتهم.
{أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} أولئك التائبون، النادمون المخلصون، المتضرعون نحو الحق على عفو زلاتهم وتقصيراتهم {أَنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالهم {هُوَ} بلطفه وفضله {يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} بعدما وفقتهم عليها، ويتجاوز عن سيئاتهم {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} من أموالهم؛ أي: يقبلها منهم تطهيراً لقلوبهم عمَّا يشوشهم من رذائل هوياتهم وتعيناتهم؛ ليتشمروا نحو الحق مخفين {وَ} لم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المتفضل لعباده {هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع لهم عن مقتضيات نفوسهم نحو جنابة {ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 104] عليهم يوصلهم إلى بابه إن أخلصوا في سلوكهم وتوجههم.