التفاسير

< >
عرض

فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ
١١
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ
١٢
فَكُّ رَقَبَةٍ
١٣
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
١٤
يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ
١٥
أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ
١٦
ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ
١٧
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ
١٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ
١٩
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ
٢٠
-البلد

تفسير الجيلاني

وبعدما أعطيناه وهديناه {فَلاَ ٱقتَحَمَ} وما دخل الإنسان {ٱلْعَقَبَةَ} [البلد: 11] أي: الكؤودة الوعرة على نفسه الشاقة لها، حتى يؤدي شكر ما أعطيناه.
ثمَّ أبهمها سبحانه تعظيماً وتفخيماً فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أيها المغرور بالحياة المستعار ولوازمها {مَا ٱلْعَقَبَةُ} [البلد: 12] الكؤودة في طريق أهل الإيمان والعرفان.
ثمَّ بيَّنها بقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13] أي: العقبة الكؤودة فك الرقبة عن رقية الآماني والآمل.
{أَوْ} العقبة {إِطْعَامٌ} على فقراء الله وعجزه عباده {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] أي: حاجة شديدة وجوع مفرط.
يعني: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 15] أي: له قرابة إلى المطعم.
{أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] أسكنه الفقر وإغبره في تراب المذلة والصغار.
{ثُمَّ} بعدما أقدم على اقتحام العقبة {كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، وأيقنوا أن ما في يدهم لله، وهم منفقون بإقدار الله في سبيل الله {وَ} مع إيمانهم بالله واتصافهم بالأعمال الصالحة المؤكدة لإيمانهم {تَوَاصَوْاْ} بينهم؛ أي: أوصى بعضهم بعضاً {بِٱلصَّبْرِ} على مشاق التكاليف الإلهية ومتاعب الطاعات المأمورة لهم {وَ} كذلك {تَوَاصَوْاْ} بينهم {بِٱلْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] والشفقة على عباد الله وتعظيمهم، والتحنن نحوهم، والإحسان معهم ولو بكلمة طيبة.
{أُوْلَـٰئِكَ} السعداء، الموصوفون بلذة الكرامة العظمة {أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [البلد: 18] عند الله؛ أي: ذوي اليُمن والكرامة وأنواع اللطف، وأعلى الدرجة والمقامة.
ثمَّ قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وكذَّبوا {بِآيَاتِنَا} الدالة على عظمة ذاتنا، وكمالات أسمائنا وصفاتنا {هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [البلد: 19] أي: ذوو الملامة والندامة، المأخوذون بشؤم كفرهم ومعاصيهم، المجزيّون بفواسد ما اقترفوا من الجرائم والآثام.
لذلك {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} [البلد: 20] مبطقة، مغلقة، مكتوبة بحيث لا يمكنهم من لوازمها التنفس فيها أصلاً؛ لكونهم منهمكين في النشأة الأولى في لوازم الإمكان بحيث لا يمكنهم في لوازمها ومقتضياتها.
نعوذ بك من النار، وما قرب إليها غفَّار.
خاتمة السورة
عليك أيها المترقب للكرامة الإلهية والسعادة الأبدية - يسَّر الله لك طرؤق الوصول إليك - أن تشتغل بصوالح الأعمال، وتجتنب عن فواسدها وتكتسب الأخلاق المرضية المقربة إلى الله، والمبعدة عن شآمة أصحاب الزيغ والضلال، المنهمكين في بحر الغفلة بأنواع الشهوات واللذات البهيمية والوهمية الفانية، العائقة من الوصول إلى اللذات الروحانية الباقية.
وإياك إياك الاختلاط مع أصحاب الثروة المفتخرين بالمال والجاه، المتصفين بالنخوة الحاصلة منها، فإن صحبتك معهم تزل قدمك عن منهج التوكل، وتميل قلبك عن الرضا والتسليم.
ثبت أقدامنا على جادة توحيدك يا ذا القوة المتين.