التفاسير

< >
عرض

ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ
١
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
٢
ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ
٣
ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ
٤
عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
٥
كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ
٦
أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ
٧
إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ
٨
-العلق

تفسير الجيلاني

{ٱقْرَأْ} يا أكمل الرسل وتذكر بعدما أدركتك العناية، وأحاطت عليك الكرامة الإلهية {بِٱسْمِ رَبِّكَ} أي: داوم على تذكر عموم أسماء مربيك {ٱلَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] كل شيء، وأظهره من كتم العدم حسب أسمائه وصفاته، وربَّاه بأنواع اللطف والكرم وأباح عليه من جلائل النعم.
سيما {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} وخصه من عموم الأكوان بمزيد الإنعام والإحسان، مع أنه خلقه وقدر وجوده {مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] دماء معلوقة مسترذلة، مكونة من مني مرذول، مكون من الدم المسفوح، المتكون من إجراء الأغذية.
وبعدما أمر سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم بالقراءة، وتعديد الأسماء وإحصاءها، أمره بالقراءة ثانياً؛ للتأمل والتدبر في معانيها، والاستكشاف عن فحاويها ومرموزاتها فقال: {ٱقْرَأْ} قراءة تدبر وتعمق واستكشاف على ما في مطاويها من البدائع والغرائب المودعة فيها، ولا تنظر إلى كونك أمياً لست من أهل الإملاء {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} [العلق: 3] الكامل الكرامة والهداية لأرباب العناية.
{ٱلَّذِى عَلَّمَ} الخط والرقم {بِٱلْقَلَمِ} [العلق: 4] الذي هو بمراحل عن التعلم والتفهم.
لا تستبعد من كمال كرامته وعنايته، تعلمك يا أكمل الرسل؛ إذ هو سبحانه {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ} المصور على صورة الرحمن {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] من البيان والتبيان، وأنواع طرق الكشف والعيان، فأنت يا أكمل الرسل من أعز أفراد الإنسان شأناً، وأعلاه شرفاً وبرهاناً، وأرفعه قدراً ومكاناً.
وبعدما أشار سبحانه إلى مبدأ الإنسان ومادته، وإلى منتهاه وغايته، تعجب سبحانه من حاله، واستبعد ما صدر عنه من الطغيان والكفران والبغي والعدوان، مع كمال عناية الله معه وكرامته إياه، فقال على سبيل الردع والزجر: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ} المستحدث من الأقذار المهانة، المترقي إلى نهاية الكرامة وأعلى المقامة {لَيَطْغَىٰ} [العلق: 6] ويتجاوز عن حده، ويستكبر على ربه، وينسى أصل منشئه؛ لأجل {أَن رَّآهُ} علم نفسه أنه {ٱسْتَغْنَىٰ} [العلق: 7] أي: صار غنياً عن الله، مستغنياً عن الافتقار إليه، مستكبراً على عباده، يمشي على وجه الأرض خيلاء بما عنده من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية.
وكيف يتأتى لك الطغيان والاستكبار أيها المسترذَل المُهان المستحدث من المهين {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ} الذي أظهرك من كتم العدم، وأحدثك من الأمشاج المرذولة {ٱلرُّجْعَىٰ} [العلق: 8] أي: الرجوع المعهود في النشأة الأخرى، فسيجزيك بجميع ما صدر عنك بعدما يحاسبك عليه بمقتضى العدالة والإنصاف.