التفاسير

< >
عرض

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ
١٠٠
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ
١٠١
وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
١٠٢
إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ
١٠٣
وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ
١٠٤
يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
١٠٥
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
١٠٦
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ
١٠٧
-هود

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ} [هود: 100] أخباراً عن أحوال الأخيار والأرواح والنفوس الساكنة فيها، {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} [هود: 100] نخبرك؛ لتكون عالماً بأحوال، {مِنْهَا قَآئِمٌ} [هود: 100] من الأجساد بعضها قائم قابل لتداول ما فات عنها وإصلاح ما أفسدت النفس منها، {وَحَصِيدٌ} [هود: 100] أي: ومن الأجساد ما هو محصود بمحصد الموت ما يؤمن عن التدارك، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} [هود: 101] فيما أعطيناهم من استعداد الروحاني والجسماني والحيواني، فإنه آله تحصيل كآلات لا يدركها الملائكة المقربون، {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] باستعمالها على وفق الطبيعة على بدل حكم الشريعة فافسدوا استعدادهم في عبادة طاغوت الهوى ووثن الدنيا واصنام شهواتها.
{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} [هود: 101] من الهوى والدنيا وشهواتها، {ٱلَّتِي يَدْعُونَ} [هود: 101] يعبدون، {مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101] من سخط الله ولعنته.
{لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 101] أي: الأمر الذي قدر لهم في الأزل من الطرد والإبعاد، {وَمَا زَادُوهُمْ} [هود: 101] أي: الآلهة وعبادتها، {غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] غير تخسير وهو خسارة عبادتها وحسرة ترك عبادة الله وفوات تلك السعادة، {وَكَذٰلِكَ} [هود: 102] أي: كما أخذ الروح والنفس بما أفسدوا استعدادهم كذلك، {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} [هود: 102] وهي الأجساد والأبدان، {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102] بأعمالها على وفق طبع النفس الأمارة بالسوء من السيئات البدنية على خلاف الأحكام الشرعية، {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ} [هود: 102] للأبدان، {شَدِيدٌ} [هود: 102] على النفوس والأرواح بالبعد والخذلان.
{إِنَّ فِي ذٰلِكَ} [هود: 103] أي: فيما ذكر من إفساد الاستعداد والأخذ به، {لآيَةً} [هود: 103] دلالة يستدل بها على الحق والتوحيد، {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ} [هود: 103] أي: المؤمن؛ لأن غير المؤمن لا يخاف عذاب الآخرة؛ لأنه لا يؤمن بها وهي أن الله تعالى لا يجير الظالم؛ ولكن بمهلة ويكله إلى نفسه يظلم على نفسه وعلى نفس غيره فيؤاخذه الله تعالى بظلمه عدلاً منه؛ ولكنه إذا نظر بفضله ورحمته إلى عبد بنظر العناية يزيل بنور العناية ظلمات أمارية نفسه فتصير نفسه مأمورة لأمر الشريعة فلا يعمل إلا للنجاة من عذاب الآخرة ونيل الدرجات والقربات في الآخرة.
{ذٰلِكَ} [هود: 103] يعني: الآخرة، {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ} [هود: 103] أي: يجمع فيه بين الأرواح والنفوس والأجساد، {وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103] فيه أعمال العباد تغيرها وتصيرها كل واحد يشاهد أعماله وقارئ كتابه {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} [هود: 104] إلى اليوم المشهود، {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} [هود: 104] وقت معلوم.
{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105] يعني: يوم لا تتكلم فيه النفوس؛ لظهور سطوة آثار القهر إلا بإذن الله، {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ} [هود: 105] محكوم عليه بالشقاوة في الأزل، {وَسَعِيدٌ} [هود: 105] محكوم عليه بالسعادة في الأزل، وعلامة الشقاوة: الإعراض عن الحق وطلبه، والإصرار على المعاصي من غير ندم عليها، والحرص على الدنيا حلالها وحرامها، وأخذ الدين بالهوى والتقليد والبدع، وعلامة السعادة: الإقبال على الله وطلبه، والاستغفار عن المعاصي، والتوبة إلى الله، والقناعة باليسير من الدنيا، وطلب الحلال منها، واتباع السنة، واجتناب البدعة، ومخالفة الهوى.
{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ} [هود: 106] في الأزل، {فَفِي ٱلنَّارِ} [هود: 106] نار الحسرة والقطيعة، {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} [هود: 106] من الحسرة {وَشَهِيقٌ} [هود: 106] من القطيعة، {خَالِدِينَ فِيهَا} [هود: 107] في نار القطيعة، {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ} [هود: 107] سماوات الأرواح والقلوب، {وَٱلأَرْضُ} [هود: 107] أرض النفوس والبشرية، {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} [هود: 107] من السعداء من الأشقياء؛ ذلك لأن أهل الشقاء على ضربين: شقي وأشقى، فيكون من أهل التوحيد شقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد، فالمعاصي تدخله النار، والتوحيد يخرجه منها، ويكون من أهل الكفر والبدعة أشقى يصليه كفره وتكذيبه إلى النار فيبقى خالداً مخلداً.
{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] من الأزل وهو أخرج أهل التوحيد عن النار وأخلد أهل الكفر فيها.