التفاسير

< >
عرض

وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً
١١
وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً
١٢
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً
١٣
ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
١٤
مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً
١٥
-الإسراء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

وفي قوله: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} [الإسراء: 11] إشارة إلى أن من خصوصية الإنسان طلب الدنيا والتلذذ بشهواتها والتفاخر بمالها وجاهها والتمتع بها، وأنه يحب العاجلة ويذر الآجلة، ولهذا قال الله تعالى في وصفه: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11] وهذا كله شر له وهو عجب أنه خير له وهو ملتمس بالدعاء الشر كما يلتمس أهل الوفاء الخير.
ثم قال: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12] أي: ليل البشرية وآياتها قمر القلب، ونهار الروحانية وآياتها شمس شهود الحق وهما يدلان على الوصول {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ} [الإسراء: 12] أي: ضوء الروح عن قمر القلب فبقي فيه نور العقل.
{وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] المعنى أن نور القلب وهو العقل يهدي إلى الشرع، وهو شمس شهود الحق، وإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح فإنها مظهرة للحق ومبصرة لها {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [الإسراء: 12] تجلي ذاته وصفاته تبارك وتعالى، وقد اختص الإنسان به دون سائر المخلوقات ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ} [الإسراء: 12] أي: أيام الطلب وامتدادها عند قطع المنازل {وَٱلْحِسَابَ} [الإسراء: 12] أي: حساب الترقي من مقام إلى مقام {وَكُلَّ شَيْءٍ} [الإسراء: 12] يحتاج إليه السالك {فَصَّلْنَاهُ} [الإسراء: 12] بيناه بالإشارات {تَفْصِيلاً} [الإسراء: 12] تبيناً يبلغ الطالب إلى المطلوب والمحب إلى المحبوب.
ثم أخبر عما قدر للإنسان من الإحسان والخذلان بقوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] يشير إلى ما طار لكل إنسان في الأزل وتعد بالحكمة الأزلية والإرادة القديمة من السعادة والشقاوة ويجري عليه من الأحكام المقدرة، والأحوال التي جرى بها العلم من الخلق والرزق والأجل، ومن صغائر الأعمال وكبائرها المكتوبة له، وهو بعد في العدم وطائره ينتظر وجوده، فلما أخرج كل إنسان من العدم إلى الوجود وقع طائره في عنقه ملازماً له في حياته ومماته حتى يخرج من قبره يوم القيامة وهو في عنقه، وذلك قوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء: 13] أي: ينشر بعدما كان منطوياً، ثم إن كان من أصحاب اليمين أوتي كتابه بيمينه، وإن كان من أصحاب الشمال أوتي كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، ويجوز أن يكون هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها نسخة نسخها الكرام الكاتبون بقلم أعماله في صحيفة أنفاسه من الكتاب الطائر في عنقه، ولهذا يقال: {ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ} [الإسراء: 14] أي: كتابك الذي كتبته.
{كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] فإن نفسك مرقومة بقلم أعمالك إما برقوم السعادة أو برقوم الشقاوة {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ} [الإسراء: 15] إلى الأعمال الصالحات {فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ} [الإسراء: 15] فيرقمها برقم السعادة {وَمَن ضَلَّ} [الإسراء: 15] عنها بالأعمال الفاسدة {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] فيرقمها برقوم الشقاوة {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الإسراء: 15] أي: لا يرقم راقم بقلم أوزاره نفس غيره برقوم الشقاوة.
وبقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] يشير إلى أن الأعمال الصالحة والفاسدة التي ترقم النفس برقوم السعادة والشقاوة لا يكون لها أثر إلا بقبول دعوة الأنبياء أو بردها، فإن السعادة والشقاوة مودعة في أوامر الشريعة ونواهيها.