التفاسير

< >
عرض

سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ
١
وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً
٢
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً
٣
وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً
٤
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً
٥
-الإسراء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] للتعجب فيها يشير إلى أعجب أمرٍ من أموره جرى بينه وبين أفضل خلقه، وأخص عبيده، وأحبهم إليه، وأقربهم لديه، وأعظمهم قدراً، وأكملهم مقاماً، وأرفعهم درجة، وأعلاهم رتبة، وأجلهم منصباً، وأكرمهم مثوى، وأعزهم منزلة، وأوفاهم قربة، وأفناهم عن أنانيته، وأبقاهم بهويته، وأخلصهم لعبوديته، وأوحدهم بوحدانيته، وأفردهم بفردانيته، وأوليهم بتجلي جماله، وأعظميهم من كشف جلاله، وهو العبد المطلق من بين سائر عباده، والحبيب المختص المخلص من أحبابه، والنبي المفضل على أنبيائه، وهو الحر المعتق عن عبودية الموجودات ورق وجوده، فلهذا سماه الله {بِعَبْدِهِ} عند فناء اسمه ورسمه اسماً ما سُمِي به أحد من خلقه إلا عند بقاء اسمه ورسمه، كما قال { عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [مريم: 2] ومن هنا يقول كل نبي يوم القيامة: نفسي نفسي لبقاء وجودهم وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "أمتي أمتي" لفناء وجوده في وجوده.
وفي قوله تعالى: {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الإسراء: 1] إشارة إلى أن الحكمة في إسرائه إرائته آيات مخصوصة بذاته تعالى تقديراً له وشرفاً ما وراءها أحداً من الأولين والآخرين إلا سيد المرسلين وخاتم النبيين، فإنه تبارك وتعالى أرى خليله عليه السلام وهو أعز الخلق عليه بعد حبيبه الملكوت كما قال:
{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75] وأرى حبيبه آيات ربه الكبرى، كما قال: { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } [النجم: 18] ليكون من المحبين المحبوبين.
وفي قوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} [الإسراء: 1] إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو السميع الذي
"كنت له سمعاً فبي يسمع وبصرا فبي يبصر" .
{لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الإسراء: 2] المخصوصة بجمالنا وجلالنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الإسراء: 2] الذي يسمعنا {ٱلبَصِيرُ} [الإسراء: 2] يبصرنا فإنه لا يسمع كلامنا إلا بنا ولا يبصر جمالنا.
ثم أخبر عن مرتبة كليمه بعد مرتبة حبيبه بقوله: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 2] إشارة إلى أن سبب إيتاء التوصية وإنزالها إنما كان هداية ببني إسرائيل {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} [الإسراء: 2] أي: ربّاً وإلهاً كما اتخذ قوم نوح؛ وذلك لأنهم {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء: 3] فإنهم كانوا مؤمنين لا يشركون بالله شيئاً، فكذلك أردنا أن ذريتهم لا يشركون بالله شيئاً وذلك لأجل {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] أي: كان نوح عليه السلام {عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] فالله تعالى بالغ في ازدياد النعمة جزاء لمبالغته في الشكر حتى أنعم على ذرية من حملهم مع نوح {عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] وهم بنو إسرائيل بإيتاء التوراة الهادية إلى التوحيد وإخراجهم من الشرك.
وفي قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 4] إشارة إلى أنا أنعمنا على بني إسرائيل بالكتاب لنهدينهم إلى التوحيد، ولكنهم يفسدون في الأرض بقتل الأنبياء كفراناً بنعمتنا، ويبغون العلو في الدنيا {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء: 5] ليعذبوكم عذاباً شديداً جزاء كفران النعمة، كما قال:
{ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم: 7] {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} [الإسراء: 5] للاستقصاء في القتل والتعذيب للعباد في الظاهر، وجاسوا قهرنا وعذابنا في الباطن خلال قلوبكم لقتل صفاتكم الحميدة واستيلاء نفوسكم الأمارات بالسوء، ليخربوا بيت قدس قلوبكم ويميتوا أبناء أنبياء إيمانكم وصدقكم ويقينكم {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} [الإسراء: 5] في الحكمة الأزلية.