التفاسير

< >
عرض

وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
٤٩
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً
٥٠
مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً
٥١
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً
٥٢
-الكهف

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ} [الكهف: 49] خائفين {مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً} [الكهف: 49] وهي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كانت من المباحات {وَلاَ كَبِيرَةً} [الكهف: 49] وهي التصرف في الدنيا على حبها وإن كان من حلالها؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة {إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] علمها.
{وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} [الكهف: 49] لأنهم كتبوا صالح أعمالهم بقلم أفعالهم على صحائف قلوبهم وسواء أعمالهم على صحائف نفوسهم، وقد يوجد عكس ما في هذه الصحائف على صفحات الأرواح، وإن كان نورانياً أو ظلمانياً {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49] فإن كان النور غالباً على صفحة روحه فهو من أهل الجنان، وإن كانت الظلمة غالبة عليها فهو هالك ومن لا يشوب نوره بالظلمة فهو من أهل الدرجات والقربات ومن أدركته الجذبات وبدلت سيئاته بالحسنات وأخرج إلى النور الحقيقي من الظلمات فهو
{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر: 55].
ثم أخبر عن فضيلة آدم المكرم بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} [الكهف: 50] إشارة إلى معانٍ وحكم وأودعها الله فيه:
فمنها: ما يتعلق بالله عز وجل وهو أنه تعالى أراد أن يظهر به صفة لطفه وصفة قهره وكمال قدرته وحكمته، فاظهر لطفه بآدم أن خلقه من صلصال من حمأ مسنون، وأمر ملائكته الذين خلقوا من النور بسجوده، ومن كمال لطفه وجوده وأظهر صفة قهره بإبليس إذ أمره بالسجود آدم بعد أن كان رئيس الملائكة ومقدمهم ومعلمهم وأشدهم اجتهاداً في العبادة حتى لم يبق في سبع سماوات ولا في سبع أرضين شبر إلا وقد سجد لله تعالى عليه سجدة حتى امتلأ العجب بنفسه حين لم ير أحداً بمقامه فأبى أن يسجد لآدم استكباراً وقال:
{ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } [ص: 76] وطرده إظهاراً للقهر وإظهار كمال قدرته وحكمته بأن بلغ من غاية القوة والحكمة ما خلقه من قبضة خراب ظلماني كثيف سفلي إلى مرتبة يسجد له جميع ملائكة المقربين الذين خلقوا من نور علوي لطيف روحاني.
ومنها: ما يتعلق بآدم عليه السلام وهو أنه تعالى لما أراد أن يجعله خليفة في الأرض أودع في طينته عند تخميرها بيده أربعين صباحاً سر الخلافة وهو استعداد قبول الفيض الإلهي بلا واسطة، وقد اختصه الله تعالى وذريته بهذه الكرامة لقوله:
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } [الإسراء: 70] من بين سائر المخلوقات كما أخبر النبي عن كشف قناع هذا السر بقوله: "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ولهذه الكرامة صار مسجوداً للملائكة المقربين.
ومنها: ما يتعلق بالملائكة وهو أنهم لما خلقوا من النور الرحماني العلوي كان من طبعهم الانقياد لأوامر الله والطاعة والعبودية له فلما أمر بسجود آدم امتحنوا به وذلك غاية الامتحان؛ لأن السجود أعلى مراتب العبودية له فلما أمروا بسجود آدم والتواضع لله فإذا امتحن به أحد أن يسجد لغير الله فذلك غاية الامتحان للامتثال، فلم يتلعثموا في ذلك وسجدوا لآدم بالطوع والرغبة من غير كرهٍ وإباءٍ امتثالاً وانقياداً لأوامر الله تعالى كما قال تعالى:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6].
ومنها: ما يتعلق بإبليس وهو أنه لما خلق للضلالة والغواية والإضلال والإغواء خلق من النار وطبعها الإشعال والاستكبار وإن نظمه الله في سلك الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملائكة وهو قد تشبه بأفعالهم تقليداً لا تحقيقاً حتى عد من جملتهم، وذكر في زمرتهم، وزاد عليهم في الاجتهاد بالاعتبار لا بالاعتقاد فاتخذوه رئيساً ومعلماً؛ لما رأوا منه اشتداده في الاجتهاد بالإراءة دون الإرادة فلما امتحن بسجود آدم في جملة الملائكة هبت نكباء النكبة وانخلعت عنه كسوة أهل الرغبة والرهبة ليميز الله الخبيث من الطيب، فطاشت عنه تلك المخادعات وتلاشت منه تلك المبادرات وعاد المشئوم إلى طبعه قد تبين الرشد من غيِّه، فسجد الملائكة وأبى إبليس واستكبر من غيِّه وظهر أنه كان من الجن وأنه طُبع كافراً.
{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وخلع قلادة التقليد عنه ليعلم أن الأصل لا يتخطى، ويتحقق أن في هذا الامتحان يكرم الرجل أو يهان، كما أن البعرة تشابه المسك وتعارضه في الصورة. فلما امتحن بالنار تبين المقبول من المردود والمبغوض من المودود.
ثم بقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 50] يشير إلى أن في أولاد آدم من هو في صورة آدم لكنه في صفة إبليس، وأنهم شياطين الإنس وأمارتهم أنهم يتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله فيطيعون الشيطان ولا يطيعون الرحمن ويتبعون ذرية الشيطان ولا يتبعون ذرية آدم من الأنبياء والأولياء ولا يفرقون بين الأولياء والأعداء فبجهلهم يُظلمون على أنفسهم ويبدلون الله وهو وليهم بالشياطين {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50] وفيه إشارة إلى أن أولياء الله هم الذين لا يبدلون الله بما سواه، ويتخذون ما سواه عدواً.
وفي قوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51] إشارة إلى أن الله تعالى لما أخبر أنه ما أشهد الشياطين خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ لأنهم الأعداء دليل على أن يشهد بعض أوليائه على شيء ما أشهد عليه أعداءه، وإن استبعد العقل إمكانه؛ لأن العقل لا يحكم بإشهاد شيء معدوم على إيجاده، ولكن الله تعالى إذا أراد إجراء هذا الأمر يتجلى بصفة عالميته لمن يشاء من عباده فيبصره بنور علمه المحيط بالأزل والأبد ابتداء تعلق قدرته بالأشياء المعدومة، وكيفية إخراجها من العدم إلى الوجود فيشهده خلق كل شيء حتى خلق نفسه ويخبره عن خاصية كل شيء وحكمة إيجادها ويعلمه أسماء الموجودات كقوله تعالى:
{ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: 31] وعلى شهوده ونظره يخرج من العدم ما هو المقدر خروجه إلى الأبد وهذا مما لا يدرك نظره العلماء بالعقل؛ لأن الله تعالى أنعم على هذا الضعيف بكشف هذه الواقعة الشريفة في أثناء السلوك والسير إلى الله تعالى فيما رزقه من كشف حقائق الأشياء عليه وأراه ماهيتها له.
ثم أخبر عن نداء الشركاء يوم اللقاء بقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} [الكهف: 52] يشير إلى امتثال أوامر الله ونواهيه ينفع العبد إذا كان في الدنيا قبل موته وبثمره في الآخرة فأما إذا كان في الآخرة فلا ينفعه الإيمان ولا الأعمال فإن قوله تعالى: {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ} [الكهف: 52] أمر من الله تعالى وقد امتثلوا أمره بقوله: {فَدَعَوْهُمْ} [الكهف: 52] فلم ينفعهم الامتثال؛ لأن الشركاء لم يستجيبوا لهم، ونظيره قوله تعالى:
{ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } [الحديد: 13].
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} [الكهف: 52] أي: بين المصرين على الشرك والذنوب وبين الإيمان {مَّوْبِقاً} [الكهف: 52] يمنعهم عن الإيمان في الدنيا وهو الخذلان باستيلاء الهوى واستحلاء الدنيا وفي الآخرة عن الجنان، وهو القهر والعزة.