التفاسير

< >
عرض

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤٩
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
١٥١
فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ
١٥٢
يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
١٥٣
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ
١٥٤
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 149]، إلى {تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
{ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلاً حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية {فَوَلِّ} وهذا أمر التكوين يعني كن مولياً بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبداً لقوله تعالى:
{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } [آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدّاً.
ثم عمم الخطاب وقال:
{ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } [البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
{ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } [البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
{ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } [البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة {وَٱخْشَوْنِي} [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصول إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحداً إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
"آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" .
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ} [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: {وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21] {رَسُولاً} [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهراً {آيَاتِنَا} [البقرة: 151]، الآيات وباطناً {وَيُزَكِّيكُمْ} [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق {وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: {وَٱلْحِكْمَةَ} [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} [البقرة: 151]، {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: {فَٱذْكُرُونِيۤ} كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى
{ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [المائدة: 119]، فإن رضاهم نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضاً مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
"وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكوراً، والمذكور ذاكراً بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر: 16]، وكما قال قائلهم:

رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّت الخَمرُ فَتشابَها فَتَشاكل الأَمرُ
فَكَأَنَّها خَمرٌ وَلا قَدح وَكَأَنَّها قَدحٌ وَلا خَمرُ

ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:

أَنامَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا
فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا

فلما بذل الفراش للشمع مقصودة، وهي تحقيق قوله تعالى: "لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش" ، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي} [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضاً على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } [لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضاً على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ } [النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام: "إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني" .
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ} [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر {بِٱلصَّبْرِ} [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب {وَٱلصَّلاَةِ} [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى: { ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل: "يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً" فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.