التفاسير

< >
عرض

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ
١٥٥
ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
١٥٦
أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ
١٥٧
إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ
١٥٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ
١٥٩
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
١٦٠
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ} [البقرة: 155]، إلى {هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والإبتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } [الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسيلمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى: { إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً } [الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } [ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ} يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع {وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى: { وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } [البقرة: 249]، وقال تعالى: { وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } [النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} [البقرة: 155] يعني: ولنبلوكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمرم بالخوف كقوله تعالى:
{ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ} [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقرباً إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
"أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك" ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: {إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ} [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي {وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} [البقرة: 157]، جذبات {مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلاً إلى الله تعالى لقوله تعالى:
{ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } [المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم {فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ} [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} [البقرة: 158]، خرج {أَن يَطَّوَّفَ} [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى {بِهِمَا} [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } [النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ} [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي {عَلِيمٌ} [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفائهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني: "من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ومتر تقربت إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته أهرول" ، وهذا في حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:

هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدارلي هم ولا وطر

وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينما {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار" .
{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى: { وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود: 88]، {فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني {وَأَنَا التَّوَّابُ} [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني {الرَّحِيمُ} [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فراراً عن خسة الشركاء، واجتناباً عن مزاحمة السفهاء، واحترازاً من معنى، وإن كثيراً من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأموراً، فلا يكون معذوراً فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقرباً إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.