التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٠٣
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ
٢٠٤
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ
٢٠٥
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
٢٠٦
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ
٢٠٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } [الحجر: 99]؛ أي: الموت {فَمَن تَعَجَّلَ} [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب {فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203]؛ يعني يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتاً في التقوى راسخاً في الاستقامة مع المولى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال {وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار.
ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 204] إلى قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوماً أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريراً في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ} [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية {سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة: 205]، يخربها {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ} [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق {وَٱلنَّسْلَ} [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}، والمرجع في المآل.
ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [البقرة: 207].
والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى
{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ } [التوبة: 111].
والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصاً لوجه الله ابتغااء مرضاته.
ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208]، معنى عاماً، ومعنى خاصاً؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"المسلم من سَلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه" .
وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهر كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلاً، ويقع على ما لابد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إيصال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفار صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي } [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: { كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: { وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ } [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: { ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ } [ص: 74].
واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلماً لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.