التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٢٤٩
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
٢٥٠
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٢٥١
تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٢٥٢
تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
٢٥٣
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ} [البقرة: 249]، والإشارة فيها: {إِنَّ ٱللَّهَ} [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق {مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ } [آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } [الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربى وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا من الله والمؤمنون مني" {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول: "اللهم أرزق آل محمد قوتاً" أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:
"ما لي وللدنيا" والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً } [الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولاً مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ} [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 249]؛ أي: بنصره {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى: { وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } [النحل: 127].
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ} [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثاً به مستعيناً به مستدعياً منه {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك {وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموماً والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقروناً بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.
{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده {وَقَتَلَ دَاوُدُ} [البقرة: 251]، القلب {جَالُوتَ} [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، {وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ} [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها {فَوَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى:
{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } [آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى: { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ } [النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك {بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى: { وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب { قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } [النجم: 9] خصصت، بسهم { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعدما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبودية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: "لي مع الله وقت"، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتاً دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول: "ما أوذي بي مثل ما أوذيت" فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئاً لك ما نلت ومريئاً لك ما قلت: "لو كان موسى وعيسى حياً لما وسعهما إلا اتباعي" وقولك: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم" بل قولك: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم" ؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرَّح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نوراً وأتم في الرفعة وقوراً فرفعه درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم
"إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل" فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلاً لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء: 11].
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بفلظ الواحد أن
{ يُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جداً.
ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: "ازدياد العلم رفعه الدرجة" فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانياً عن ظلمة وجوده، باقياً بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نوراً وقال:
{ دْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم.
ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصاً بعد ما جاءتهم البينات، {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع {مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ} [البقرة: 253]، إلى الأبد {مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علواً كبيراً.