التفاسير

< >
عرض

وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٢٣
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
٢٤
وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٢٥
إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ
٢٦
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
٢٧
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٨
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى: { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ } [ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال: { إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } [النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى: { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ } [النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله { ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } [البقرة: 21]، وقوله تالى: { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } [البقرة: 22]، أي: أحباباً من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقاً.
وقال تعالى:
{ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ } [يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] مثل القرآن من أنفسكم {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعاً مستمعين لخطاب، { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب {بَلَىٰ}، فلو كان محمد قادراً على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضاً.
{مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله:
{ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري { يُوحَىٰ إِلَيَّ } [الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبداً لأن "لن" للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
"قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي" .
{ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها {وَٱلْحِجَارَةُ} [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانياته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
"إن للقرآن ظهراً وباطناً" فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقاً للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاق وزندقة لقوله تعالى: { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ } [الأنعام: 59].
قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
"خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون" فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ} [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، {أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} [البقرة: 25] أي: أي يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدو وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من اشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار {مِن ثَمَرَةٍ} [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال {رِّزْقاً} [البقرة: 25]، أي: عطفاً وختماً وعطية {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحولاً شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نوراً في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
{ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً } [طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته ناراً أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون { نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ } [الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم { إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } [الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يحد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ} [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب {مُّطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
{ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ } [الرحمن: 56].
{وَهُمْ فِيهَا} [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم {خَٰلِدُونَ} [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله" .
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله: "أرنا الأشياء كما هي" فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقاقئها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فتربى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيتها، إذا طعنت تفجر دماً فاللون لون الدم والعرف عرف المسك" فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جداً واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} [البقرة: 26]، إلى قوله: {ٱلْفَٰسِقِينَ} [البقرة: 26]، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى} أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلاً {مَّا بَعُوضَةً} [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتفلت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
{ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ } [الشورى: 27].
وقال تعالى:
{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } [العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معانٍ:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
"إن الله خلق كل شيء على صورته" أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجاً ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من عرف نفسه فقدر عرف ربه" ، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } [الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: "ماذا أراد العربي بهذه اللفظة"، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: {فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
"إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل" ، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يتهدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ} [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ} [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
{ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } [المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعاً كاملاً عن غيره {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى: { وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنيسان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: {كَيْفَ} خطاب التهديد للكافرين عموماً وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصاً وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصاً، فتهديد الكافرين {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} [البقرة: 28]، نطفاً في أصلاب آبائكم {فَأَحْيَٰكُمْ} [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: {بَلَىٰ} رغبة لا رهبة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطعبية الإنسانية {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:

لَولا مُفارقة الأَحباب ما وجدت لَها المَنايا إِلى أَرواحنا سُبُلا

{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [المجادلة: 22].
{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
{ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } [الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه.