التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
٢٩
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٣١
قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٣٢
قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
٣٣
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى: { وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } [طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك فبقدر ما تكون لي أكون لكن كما قال صلى الله عليه وسلم: "من كان لله كان الله له" وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعاً لوجود الإنسان؛ لأنه قال: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك
{ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ } [الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك.
كما قال تعالى:
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ، قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ } [فصلت: 53].
قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، أي : عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول:
{ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ } [آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفاً بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى: { يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ } [ص: 26] أي: خلقتك مستعداً للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصاً بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى: { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } [الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: { ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ } [الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى: { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جداً.
فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى:
{ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } [ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وفي: {إِنِّي جَاعِلٌ} إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول: { وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } [هود: 119] وسماه خليفته، ما شرف شيئاً من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين:
أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماوات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتان والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة:
{ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [ص: 72] وما أكرم بها أحداً من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } [الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى.
والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحداينة الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته.
فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { ُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32].
وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علماً بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصاً بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوا صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتلية الخفلي.
فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى:
{ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } [ص: 26].
وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
{ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلاً منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلها الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر.
قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهراً وباطناً، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالاً للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم.
{قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام:
{ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ } [يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى:
{ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله: { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ } [يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته.
ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي.
ومنها: أن الملائكة إنما {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيباً في حقهم، وإنما يكون غيباً لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيباً، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى:
{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [الأنعام: 75]، وقال تعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيباً، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحاً من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسراً مستعداً لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب الشهادة { فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } [الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب {أَحَداً} يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه.
كما قال تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} [البقرة: 30]، يعني في الأرض {خَلِيفَةً} [البقرة: 30] مع أنه {يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكاً قالوا:
{ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ } [البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال { إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ } [البقرة: 247].
فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} [آل عمران: 33]، وبقوله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، وبقوله:
{ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجداً لهم ليعلموا { وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } [الحديد: 29] وفي قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافاً مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات.
ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، إلى قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: {كُلَّهَا} أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها.
وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمستك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 31] أي: إن كان لك على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس {قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ} [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيهاً لله أن يفرض في حكم من أحكامه {لاَ عِلْمَ لَنَآ} [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علماً
{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ } [البقرة: 255]، {ٱلْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك.
فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلاً على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيالان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلاً على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقاً لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"إن الله خلق آدم فتجلى فيه" ، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على أدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } [الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعاً أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته.
وقوله تعالى: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33]، معان مختلفة:
منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد.
ومنها: أنه تعالى قال: {أَنْبَأَهُمْ} ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى:
{ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [المجادلة: 11]، فكلما ازداد علماً ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [الصفات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].
ومنها: أنه تعالى قال: {أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفاً بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله:
{ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلماً، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } [الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضاً لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ } [النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضاً بالأمر لقوله تعالى: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ } [مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج "لو دونت أنملة لأحترقت" .
{فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصاً بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة المضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه.
وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلاً عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقاً كان الله خالقاً، ولما كان مرزوقاً كان الله رازقاً، ولما كان عبداً كان الله معبوداً، ولما كان معيوباً كان الله ستاراً، ولما كان مذنباً كان الله غفاراً، ولما كان تائباً كان الله تواباً، ولما كان منتفعاً كان الله نافعاً، ولما كان متضرراً كان الله ضاراً، ولما كان ظالماً كان الله عدلاً، ولما كان مظلوماً كان الله منتقماً له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفياً ومغيباً فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} [البقرة: 33]، حين قلتهم: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء {وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيباً مخفياً فيه من إنباء الملائكة بالأسماء {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخراً به على آدم عليه السلام: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة. لما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهاراً لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفاراً لله باعتراضهم عليه وقالوا: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} [البقرة: 30]، واعتذاراً من آدم عليه السلام عن قولهم {مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، وانكساراً لأنفسهم بإظهار {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَنَ} [البقرة: 30].