التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ
٣٤
وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ
٣٥
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٣٦
فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٣٧
قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٣٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٣٩
يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ
٤٠
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله {ٱسْجُدُواْ} ثلاثة معان:
أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، خلافاً للطبيعة بل تعبدوا رقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم.
والثاني: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبة صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } [الفتح: 10].
والثالث: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، أي لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين.
أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولاً ممدوحاً مكرماً كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: { وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفر لهم {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور" والنور من شأنه الانقياد والطاعة، {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعاً {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضاً سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر.
ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك الجنة، فأسكنا في الجنة {وَكُلاَ مِنْهَا} [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها {رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، تقرباً التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولاً بأنه لا يعلم أن ظلمة عائد إلى نفسه، كما قال تعالى:
{ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [البقرة: 57].
ومنها: أشارة بأن أبحت لك يا أدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملاً تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأن خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضاً، فاعلم
{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [العاديات: 6-8].
ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفرداً وحيداً وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: "قط قط" فافهم جدّاً.
ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]، واقنعها بها واستريحا، ولا توقدا نارا الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى:
{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين:
أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال.
وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانياً قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، وبفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقاً إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال:
{ رَبِّ أَرِنِيۤ } [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: { لَن تَرَانِي } [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودلة عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، إلى {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر.
ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول الغناية، مسجود الملائكة، متوجاً بتاج الكرامة، ملبساً بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث {فَأَزَلَّهُمَا} يد التقدير بحسن التدبير {ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنساً بكل بشيء ومؤانساً مع كل أحد، ولذلك سمي إنساناً، فلما ذاق شجر المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدواً، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخيل في البداية يتعلق بالكواكب والقمر والشمس، ويقول:
{ هَـٰذَا رَبِّي } [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: { لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } [الأنعام: 76]، { إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } [الأنعام: 78]، و { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 77].
فما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى:
{ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } [إبراهيم: 25].
وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذرايات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: "أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" ، ثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد.
ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} [البقرة: 37].
والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطر أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إلأيه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذورة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطراً، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37]، للتابئين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دحوتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: { ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } [طه: 122].
ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطاً بالشروط لقوله تعالى: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما اتبلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} [البقرة: 38] كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذورة حظائر القدس كما قال تعالى:
{ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرواْ} [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري {وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ} [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات {أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ} [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة {هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين.
ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة.
فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات.
والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب {بَلَىٰ} واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} [البقرة: 40]، والذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54]، {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.