التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ
٨٨
وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٨٩
بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٩٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٩١
وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
٩٢
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٩٣
-البقرة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكاً بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجى رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيدرحمه الله : من قال لأستاذه لم لا يفلح أبداً.
ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعاالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحداً من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن.
{بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً} [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسداً {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ} [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء {عَلَىٰ غَضَبٍ} [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح:
"من عادى لي وليّاً فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده" وللمنكرين {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران.
ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعاينه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهراً، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققاً لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقداً للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكاراً على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى:
{ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } [الأحقاف: 11].
ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبوداً مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} [البقرة: 93]، من خطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172]، {بِقُوَّةٍ} [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى {وَٱسْمَعُواْ} [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية {قَالُواْ سَمِعْنَا} [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى {وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ} [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا {بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 93]، حقيقة لا مجاز بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين
"سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً حقّاً قال: إن لكل حق حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، فقال: أصبت فألزم" .