التفاسير

< >
عرض

مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً
١٠٠
خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً
١٠١
يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً
١٠٢
يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً
١٠٣
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً
١٠٤
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً
١٠٥
فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً
١٠٦
لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً
١٠٧
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً
١٠٨
يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً
١٠٩
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
١١٠
-طه

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

قوله تعالى: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} [طه: 100] يشير إلى أن من أعرض عن الذكر الحقيقي الذي قام به حقيقة الإيمان والإيقان والعرفان {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} [طه: 100-101] أي: حملاً ثقيلاً من الكفر والشرك والجهل والعمى وقساوة القلب والرين والختم والأخلاق الذميمة والبعد والحسرة والندامة والحرق، وكذا هنا حقيقة العبودية ودوام الذكر ومراقبة القلب وصدق التوجه لقبول الفيض الإلهي الذي هو حقيقة الذكر الذي أوله: إيمان، وأوسطه: إيقان، وآخره: عرفان؛ فالذكر الإيماني: يورق الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة بترك المعاصي والاشتغال بالطاعات، والذكر الإيقاني: يورث ترك الدنيا وزخارفها بحلالها وحرامها، وطلب الآخرة ودرجاتها بالطاعات منقطعاً إليها، والذكر العرفاني: يوجب قطع تعلقات الكونين، والتكبير على سعادة الدارين، وبذل الوجود على شواهد المشهود بقوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} [طه: 102-103] يشير: أنه إذا نفخ في الصور وحشر على أهل البلاء وأصحاب الجفاء يوم الفزع الأكبر { يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً } [المزمل: 17] { يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [إبراهيم: 48].
وإن ربنا قد غضب ذلك اليوم غضباً لم يغضب قبله ومثله، ولن يغضب بعده ليرون من شدة أهوال ذلك اليوم ما يقلل في أعينهم شدة ما أصابهم من العذاب طول مكثهم في القبور، فهم يحسبون أنهم ما لبثوا في القبور إلا عشرة أيام، ومن ثم قال تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} [طه: 104] من عظيم البلاء وما يقولون {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} [طه: 104] أي: أصوبهم رأياً في نيل شدة البلاء {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} [طه: 104] وذلك لأنه وجد بلاء ذلك اليوم عشرة أمثال ما وجدوه، ومن شدة أهوال ذلك اليوم فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} [طه: 105] أي: ويسألونك عن أحوال الجبال في ذلك اليوم {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] بتجلي صفة القهارية كما جعل الطور دكَّا.
{فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً} [طه: 106-107] من بقاياها {ۤ أَمْتاً} [طه: 107] من زواياها {يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} [طه: 108] أي: الذي دعاهم في الدنيا فأجابوا داعيهم لا يموج له في دعائهم؛ يعني: كل داع من الدعاة لا يدعو غير أهله، وكل تابع لا يتبع إلا داعيه نظير قوله تعالى:
{ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } [الإسراء: 71] أي: بداعيهم الذي هم يتبعونه.
ثم اعلم أن لكل داع من الدعاة مجيباً في جبلة الإنسانية؛ لأنه تعالى هو الداعي والمجيب كقوله:
{ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [يونس: 25] فالله هو الداعي والمجيب بالهداية بحسب لسان المشيئة، فافهم جيداً.
ولهذا السر يوجد في كل زمان من متبعي كل داع خلق عظيم، ولا يوجد من متبعي داعي الله إلا الشواذ من أهل الله، ومن أهل داعي الهوى والدنيا والشيطان والملك والنبي والجنة والقربة يوجد في كل زمان خلق على تفاوت طبقاتهم وبقدر مراتبهم، وبقوله تعالى: {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} [طه: 108] يشير إلى أن داعي الله إذا عبد بالرحمانية خشعت وانقادت وذلت أصوات جميع الدعاة وانقطعت {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} [طه: 108] أي: إلاَّ وطئ الأقدام الوعي المدعو ونقلها إلى داعية {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} [طه: 109] إلاَّ من تجلى له الرحمن بصفة الرحمانية من الأنبياء والأولياء؛ ليكون من أهل الشفاعة، فبرحمته يشفع لمن يكون من الرحمة {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109] أي: وهو مرضي القول لا يقول إلا ما كان لله فيه؛ يعني: لا يشفع إلا برضاه.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [طه: 110] أي: يعلم اختلاف أحوالهم من يد وخلفهم {وَمَا خَلْفَهُمْ} [طه: 110] اختلاف إلى الأبد {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [طه: 110] لأنه تعالى قديم، وعلم المخلوقين لا يحيط بالقديم فيه إشارة إلى العجز عن كنه معرفته.