التفاسير

< >
عرض

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١
ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ
٢
وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ
٣
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ
٤
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
٥
إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
٦
فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ
٧
وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
٨
وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩
أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ
١٠
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١١
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ
١٢
-المؤمنون

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2] يشير إلى أن الفلاح الحقيقي لا يحصل بمطلق الإيمان بل بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط التي هي مذكورة في الآية، ومعنى الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي: ظفروا بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوا به بعد أن فنوا فيه، ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] بالظاهر والباطن:
أما الظاهر: فخشوع الرأس بانتكاسه، وخشوع العين بانغماصها عن الالتفات، وخشوع الأذن بالتذلل للاستماع، وخشوع اللسان للقراءة بالحضور، وخشوع اليدين وضع اليمين على الشمال بالتعظيم كالعبيد، وخشوع الظهر انحناؤه في الركوع مستوياً، وخشوع الفرج بنفي الخواطر الشهوانية، وخشوع القدمين بثباتهما عن الموضع وسكونهما عن الحركة.
وأنا الباطن: فخشوع النفس سكونها عن الخواطر والهواجس، وخشوع القلب بملازمة الذكر ودوام الحضور، وخشوع السر بالمراقبة في ترك اللحظات إلى المكونات، وخشوع الروح استغراقه في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفة الجلال والجمال.
{وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] واللغو كل فعل لا لله تعالى وكل قول من الله تعالى ورؤية غير الله، وكل ما يشغلك عن الله تعالى.
وبقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] يشير إلى أن الزكاة إنما وجبت لتزكية النفس عن الصفات الذميمية النجسة من حب الدنيا وغيره، كقوله تعالى:
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ } [التوبة: 103]، فإن الفلاح في تزكية النفس لقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } [الأعلى: 14]، وقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس: 9-10]، ولم يكن المراد من الزكاة مجرد إعطاء المال وحبه في القلب باقٍ، وإنما كان لمصلحة إزالة حب الدنيا عن القلب؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، فلا تحصل هذه المصلحة إلا بفعل الزكاة، وهو أن يفعل الزكاة وهو أن يفعل كل ما يزكي نفسه وقلبه عن حب الدنيا وجميع الصفات الذميمة إلى أن يتم إزالتها.
{وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5-6] يعني يحفظون عن الدنيا التلذذ بالشهوات أي: ألا يكون أزواجهم وإماؤهم عدواً لهم بأن يشغلهم عن الله وطلبه، فحينئذ يلزمهم الحذر لقوله تعالى:
{ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ } [التغابن: 14]، وإنما ذكر بلفظ على لاستيلائهم على أزواجهم لاستيلائهن عليهم وكانوا مالكين عليهن لا مملوكين لهن، {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] إذا كانت المناكحة لابتغاء النسل ورعاية السنة في أدائها.
{فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} [المؤمنون: 7] لاستيفاء الحظوظ، وإهمال الحقوق {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} [المؤمنون: 7] [لأنهم تجاوزوا حد الكرام الكارمين، وتعدوا على الأكابر الصادقين، وخالفوا طريق الواصلين.
{وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} [المؤمنون: 8] أي: الأمانة التي حملها الإنسان وهي الفيض الإلهي بلا واسطة في القبول، وذلك الذي يخص الإنسان بكرامة حمله وعهدهم وهو الذي عاهدهم الله يوم الميثاق على ألا يعبدوا إلا إياه لقوله تعالى:
{ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } [يس: 61] راعون ألا يخونوا في الأمانة الظاهرة والباطنة، وألا يعبدوا غير الله، فإن أبغض ما عبد غير الله الهوى؛ لأن بالهوى عبد ما عبد من دون الله.
{وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9]؛ لئلا يقع خلل في صورتهما ومعناها ولا يضيع عنهم الحضور في الصف الأول صورة ومعنى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون: 10-11] وهو أعلى مراتب القرب قد بقي ميراثاً عن الأموات قلوبهم، فورثه الذين كانوا أحياء القلوب {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إلى الأبد.
ثم أخبر عن الإحسان في خلق الإنسان بقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] يُشير إلى أن سلالة سلة من جميع الأرض طينها وسبخها وسهلها وجبلها باختلاف ألونها وطبائعها المتفاوتة، ولهذا اختلف ألوانها وأخلاقهم لأنه موضوع في طبيعتهم ما هو من خواص الطين الذي يختص بخاصية منها نوع من الحيوان أي: من جنس البهائم والسباع والجوارح والحشرات والمؤذيات الغالبة على كل واحد منها صفة من الصفات الذميمة والحميدة.
أما الذميمة: فكالحرص في الفأرة والنملة، وكالشهوة في الحمار والعصفور، وكالغضب في الفهد والأسد، وكالكبر في النمر، وكالبخل في الكلب، وكالشره في الخنزير، والحقد في الحية وغير ذلك من الصفات الذميمة.
وأما المحمودة: كالشجاعة في الأسد، والسخاوة في الديك، والقناعة في البوم، وكالحلم في الجمل، وكالتواضع في الهرة، وكالوفاء في الكلب، وكالبكور في الغراب، وكالهمة في البازي والسلحفاة وغيرها من الصفات الحميدة، ثم أودعها في طينة الإنسان وهو آدم عليه السلام.