التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ
٢
وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ
٣
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٤
مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٥
وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ
٦
-العنكبوت

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} [العنكبوت: 1-2] والإشارة في تحقيق الآيات تعالى {الۤـمۤ} يشير بالألف إلى تفرده عن كل شيء بوجه الفناء، وعدم الاحتياج وتوحده بالاستغناء كالألف عن الاتصال بالحروف واحتياج الحروف بالاتصال به، وباللام يشير إلى لطفه بعباده، وبالألف واللام يشير إلى الآية فكأنه أقسم بفردانيته وآلائه ونعمائه، وبالميم يشير إلى منه وإلى من أي العبد ومن الرب يعني: أنه أقسم بالآية مهما يكون من العبد التقرب إلى الرب بأصناف العبودية يكون من الرب التقرب إلى العبد بألطاف الربوبية، فمن العبد أداء العبادة بشكر النعم ومن الرب إعطاء السيادة بمزيد الكرم {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} يعني: الناس من أهل الغفلة والبطالة {يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} بالتقليد والجهالة بمجرد الدعوى دون المطالبة بالبلوى {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} بأنواع البلاء لتخليص إبريز الولاء، فإن البلاء للولاء كاللهب للذهب، وإن المحبة والمحنة توأمان فلا مميز بينهما إلا نقطة الباء به يشير إلى أن أهل المحبة إذا أوقعوا أنفسهم كنقطة الباء تحتها تواضعاً لله رفعهم كالنقطة فوق النون، ومن تكبر وطلب الرفعة والعلو في الدنيا كالنقطة فوق النون وصفه بالذلة كالنقطة تحت الباء، وقيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
"يبتلى الرجل على حسب دينه" .
وقال: "البلاء موكل للأنبياء فالأمثل والأمثل" فالعاقبة لمن لا يعرف قدرها كالدواء والبلاء لمن يعرف قدره كالدواء، فالبلاء على النفوس: لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، وعلى القلوب: لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيوب، والبلاء على الأرواح: لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار: في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشد حفظ وجود التوحيد؛ لئلا يجري عليه مكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق ولا يدري أنه من الحق ولا يقال أنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك.
وبقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] يشير إلى صدق الصادقين وكذب الكاذبين الذين عجنوا في تخمير طينتهم لا يظهر إلا إذا طرح في نار البلاء تصاعدت فيها روائح الضر وفوائح الشكر عن عود جوهر الصادقين ويصده بصدتين الضجرة وكفران النعمة عن رشيق جوهر المذنبين، وأنهم في البلاء على ضروب منهم: من يصبر في حال البلاء ويشكر في حال النعماء وهذه صفة الصادقين، ومنهم: من يصبح ولا يصبر في البلاء ولا يشكر في النعماء فهو من الكاذبين، ومنهم من يؤثر في حال الرخاء لا يستمتع في العطاء ويستريح إلى البلاء فيستعذب مقاساة الضر والعناد وهذا أقل الكبراء.
وبقوله {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} [العنكبوت: 4] يشير إلى أنه من موجبات عمل السيئات سواد وجوه مرآة القلوب بصداء الحسبان، ورين الكفران ليتوهموا أنهم يسبقونا بالعدول عن طريق متنافي الانتقام عن المجرمين، وينجو من سطوات بإلقاء جلباب الحياء ونقض عهد الوفاء ولزوم الجفاء اغتروا بإمهالنا اليوم إياهم في رياض الغفلات مسرحين عشب الشهوات ناسين يوم الحسرات {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات ونيل الدرجات هيهات هيهات أفلا يعلمون أن {مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} [العنكبوت: 5] أي: من أقبل الثواب يؤمن أعمال تورث العذاب ويعانق المجاهدات فإنها تورث المشاهدات، ومن زكى عمره في رجاء لقائنا فسوف ينج وله النظر إلى جمالنا {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأنين الشاقين {ٱلْعَلِيمُ} بحنين الواقفين الصادقين.
{وَمَن جَاهَدَ} [العنكبوت: 6] أي: سعى في طلبنا {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} وليزكيها عن الأخلاق ويحليها بالأوصاف الحميدة، فيتخلص عن سجن الأمارية ويستأهل لجنته المطمئنة فيستحق لجذبة العناية بخطاب: ارجعي إلى ربك، فإني خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم هنا لي عنهم، وذلك قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} والعالمون هم الفقراء إلى الله والمحتاجون إليه في الدارين.