التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ
١٤٥
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
١٤٧
فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٤٨
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن المؤمن المقلد أنه هو الذي يريد العقبى بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ} [آل عمران: 145]، إشارة في الآية: إنه لا يكون للنفس أن تموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية ويتخلص منها بطبعها إلا بإذن الله تعالى وأمره ونظر عنايته وجذبه فضله ورحمته، كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس، فكذلك ظلمة ليل النفس لا يغيب إلا بإشراق أنوار الربوبية، كما قال: { وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ } [الزمر: 69]؛ {كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً} أي: كتابة من الله مؤجلة بوقت تعينه ومشيئته، كما قال تعالى: { كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ } [المجادلة : 22]؛ أي بقلم العناية من نور الهداية.
ثم اثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145]، والإشارة فيه: إن ثواب الدنيا هو أنواع الكرامات التي خص الله تعالى بعض خواصه في الدنيا من العلوم اللدنية الربانية، والكشوف والشهود الروحانية النورانية، وغيرها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أولئك الذين نفذ الله لهم الوعد، كما قال الصوفي ابن وقته في معناه:

أنشدوا خليلي هل أبصرتما أو سمعتما بأكرم من مولى تمشي إلى عبد
أتى زائراً من غير وعد وقال لي أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد

يعني: من كانت همته في الطلب التبتل إلى الله تعالى بالكلية والتوحيد إليه بخلوص النية وصفاء الطوية، ويقطع بقدم الصدق مفاوز البشرية، تستقبله ألطاف الربوبية وتنزله مقام العندية قبل خروجه بالصورة عن الدار الدنيوية؛ {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ } [آل عمران: 145]؛ يعني: من كان مشربه من الأعمال لا من الأحوال، ولا يزعجه الشوق المبرح عن مألوفات الطبع، فيسير بقدم الشرع ومقصده نعيم الجنان لا بمقصوده يوجه به، يدل على هذا التصريح قوله تعالى: { رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً } [البقرة: 201]، والحسنة ما أشرنا إليها في معنى الثواب، وحمل الثواب على هذا المعنى أولى من حمله على معنى إرادة الدنيا؛ لأن الثواب يستعمل بضد العقاب وإرادته هي عين العقاب؛ ولأنه ما ذكر الله تعالى عقيب قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145]، { وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } [الشورى: 20]، كما قال تعالى في قوله: { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } [الشورى: 20] وله نظائر كثيرة، وقال في عقبه: {وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ} [آل عمران: 145]، وهذا وعد لا وعيد، والوعد يذكر عند فعل مقبول محمود، والوعيد يذكر عند فعل مردود ومذموم؛ والمعنى: سوف نجزي كلا الفريقين على قدر شكرهما، وهو رؤية النعمة، وجزاء الشكر ازدياد النعمة، فمن عمل شوقاً على الجنة فقد رأى نعمة الجنة فثوابه في الآخرة، ومن عمل شوقاً إلى الحق تعالى، فقد رأى نعمة وجود المنعم فثوابه في الدنيا؛ لأنه حاضر لا غيبة له، قريب لا بعيد، { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [الحديد: 4]، وقال: "ألا من طلبني وجدني، ومن تقرَّب إليّ شبراً، تقرَّبت إليه ذراعاً" .
ثم أخبر عن إقامة الشكر في إدامة الصبر بقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [آل عمران: 146]، إشارة في الآيات: إنه وكم من نبي قاتل العدو، وأعدى العدو هي النفس التي بين جنبي الإنسان، {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146]، قاتلوا العدو والربّيون، هي المتخلقون بأخلاق الرب {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146]، من تعب مجاهدات النفس وتضرر رياضتها، ومما ابتلاهم الله به { مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ } [البقرة: 155]، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 146]؛ أي: في سلوك طريق الوصول إلى الله تعالى: {وَمَا ضَعُفُواْ} [آل عمران: 146]؛ يعني: في طلب الحق، {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} [آل عمران: 146]؛ يعني: وما رجعوا عن الطريق بالعجز، وما أذلوا نفوسهم بالتفات إلى غير الحق والصد عن سبيل الله، بل شبوا على قدم الطلب واستقاموا كما أمروا وصبروا على ما نهوا عنه، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، عند أحكام مجازي القدر المستسلمين لقضائه والمتحملين أعباء بلائه.
{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} [آل عمران: 147]، عند إصابة الآلام والأسقام ونزول الأقضية والأحكام، {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147]؛، أي استر ذنوب وجودنا بإسبال مغفرتك {وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} [آل عمران: 147]؛ أي: أمح عنا سرف أمورنا، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] على جادة الطلب {وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]، متمردين صفات النفس الكافرة {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 148] بصنيعهم وقولهم {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} [آل عمران: 148]؛ أي: فتوحات الغيب والموهب في الدنيا، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 148]؛ أي: أحسن المراتب وأعلى المقامات في الآخرة، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148]، الذين يعبدون الله على بصيرة كأنهم يرونه، وفيها إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى لما أراد بخواص عباده كرامة التخلق بأخلاقه، ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند المقامات، فاستخرج من معادن ذواتهم جواهر الصفات المكنونة فيها المكرم بها بنو آدم الصبر والإحسان، فهما صفات من صفات الله تعالى، ويتخلقوا بها هذا من ثواب الذي أتاهم الله تعالى، والله يحب صفاته ويحب من تخلق بصفاته، ولهذا قال تعالى: { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].