التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٣٥
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٦
وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ
٣٧
وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
٣٨
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
٣٩
-سبأ

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} [سبأ: 35] منكم افتخروا بما هو فتنة لهم بقوله: { إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [التغابن: 15] {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] من عذاب الفقر والفقر هو مفتخر نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: "الفقر فخري" وهم يعدون بجهلهم من العذاب وهو عين الرحمة {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} [سبأ: 36] به فتنة {وَيَقْدِرُ} لمن يشاء به رحمة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} [سبأ: 36] من أهل الغفلة والخذلان {لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 36] هذه الحقيقة بل يظنون أن الغنى هو الرحمة والفقر هو النقمة.
ثم أخبر عن فساد الأموال والأولاد بقوله تعالى: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} [سبأ: 37] يشير إلى أن لا يستحق الزلفى عند الله بالمال والأولاد؛ لأن المال والأولاد مما زين للناس حبه، وحب غير الله يوجب البعد عن الله كما قال صلى الله عليه وسلم:
"حبك الشيء يعمي ويصم" يعني: يعميك عن رؤية غيره، وهذا أمارة كمال البعد، فإن كمال البعد يورد العمى والصم قال الشاعر:

وعارضته وصلا قصا إذ دعت وأحببت من ورقا

تدعوا فاسمع ولكن من موجبات القربة الأعمال الخالصة والأحوال الصافية والأنفاس الزاكية بل العناية السابقة والهداية اللاحقة والرعاية الصادقة لقوله: {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ} [سبأ: 37] يضاعف على ما كان لمن يقدمهم من الأمم {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ} [سبأ: 37] أي: درجات القربات {آمِنُونَ} [سبأ: 37] من الهجران والقطيعة.
{وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [سبأ: 38] هم الذين لا يحرسون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله في عذاب السقوط من عين الله {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } [سبأ: 39] فكما أن رزق النفس هو الطعام والشراب كذلك، رزق القلب: هو اليقين والاطئنان بذكر الله تعالى، ورزق السر: أسرار القرآن والذكر، ورزق الروح: حقائق القرآن وحكمه، ورزق الخفي: وهو ستر السر للمشاهدات والمعاينات والكشوف، فيبسط {لِمَن يَشَآءُ} [سبأ: 39] {وَيَقْدِرُ} [سبأ: 39] لمن يشاء {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ} [سبأ: 39] من الموجودات والوجود فهو يخلقه من الموجود الفاني في الوجود الباقي، ومن الوجود المجازي إلى الوجود الحقيقي فمن الخلف في الدنيا الرضا بالعدم والفقر صورة ومعنى، وهو أتم من السرور بالموجود والوجود وبقوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] فيشير إلى أنه خير المنفقين؛ لأن خيرية المنفق بقدر خيرية النفقة فما ينفق كل منفق من النفقة فهو فانٍ، وما ينفق الله من نفقة ليخلقه لها فهي باقية والباقيات خير من الفانيات.