التفاسير

< >
عرض

مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ
٢٥
بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
٢٦
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
٢٧
قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ
٢٨
قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٢٩
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ
٣٠
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ
٣١
فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ
٣٢
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
٣٣
إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ
٣٤
إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
٣٥
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ
٣٦
-الصافات

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم يقال لهم في بعض أحواله استيلاء الفزع عليهم: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 26-27] بالاضطرار.
وبقوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 27]؛ أي: يتخاصمون، يشير إلى أن دأب أهل الدنيا أنهم يلقون ذنب بعضهم على بعض، ويدفعون عن أنفسهم البلاء، ويرضون لإخوانهم ما لا يرضون لأنفسهم، وهمة أهل الدين أنهم يضعون ذنب الإخوان على أنفسهم، ويبرءون أعراض الإخوان عن تهمة الذنوب، ويتهمون أنفسهم بها، كما أن عيسى عليه السلام رأى رجلاً قد سرق شيئاً فقال له: أسرقت؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: صدقت وكذبت عيناي.
وبقوله: {قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} [الصافات: 28]؛ أي: أضللتمونا عن الدين، يشير إلى أن من كان مؤمناً حقيقياً لا يقدر أحد على إضلاله، ولكن الذين اتخذوا الإيمان بالتقليد لا بالتحقيق فيضلون بإضلال أهل الأهواء والبدع، كما أشار إلى هذا المعنى بقوله: {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الصافات: 29]؛ أي: إيمانكم ما كان حقيقياً بل كان تقليدياً، فزال بأدنى شبهة، ويستدلون على هذا المعنى بقولهم {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} [الصافات: 30]؛ ليزيل إيمانكم عنكم بالقهر والغلبة على قلوبكم، {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} [الصافات: 30]؛ أي: كان لكم نفوس أمَّارين بالسوء طغت عليكم نفوسكم، وأضلتكم عن سواء السبيل.
ثم أخبر عن إقرارهم بعد إنكارهم بقوله تعالى: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} [الصافات: 31] يشير إلأى قوله تعالى في الأزل: {كُن}، وحكم بأمر واحد وهو {كُن}؛ أي: يكون كل شيء أراده في الأزل وأخبر الله تعالى عن مقتضى قوله: {كُن} في الأزل، وقال: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الصافات: 33]، كما كانوا في الغواية والضلالة مشتركون.
{إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} [الصافات: 34]؛ يعني في حكم الأزل بأمر {كُن}؛ ليكونوا مجرمين ليذوقوا العذاب الأليم، ومن ذلك {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35]، ولهذا {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 36] فقال تعالى على قصد قوله: {كُن} في الأزل.