التفاسير

< >
عرض

فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً
١٦٠
وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٦١
لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً
١٦٢
-النساء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن تتمة نتائج كفرهم بقوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} [النساء: 160]، إلى قوله {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 162]؛ لكنه قال تعالى لهم: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}، وقال تعالى: { وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ } [الأعراف: 157] وقال تعالى: { وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً } [المائدة: 88]، فلم يحرم علينا شيئاً بذنوبنا، وكما [عفانا] الطيبات في هذه الآية نرجوا أن [يعافينا] في الآخرة من العذاب الأليم؛ لأنه جمع بينهما في الذكر في هذه الآية، وقال أهل الإشارات: ارتكاب المحظورات يوجب حرمان المناجات، والإشارة فيهما: إن الظلم من شيمة الإنسان؛ يعني: نفس الإنسان؛ لأنه خلق ظلوماً جهولاً، فالظالم من يظلم غيره، والظلوم من يظلم نفسه، وإلى هذا أشار بقوله تعالى {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]؛ يعني: لما ظلموا أنفسهم بنقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، والكفر بعيسى وتقول البهتان على مريم، { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } [النساء: 157]، {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} [النساء: 160].
{وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} [النساء: 161] وغير ذلك من المخالفات، حرمنا عليهم بإبطال استعدادهم طيبات من مقام القربات والدرجات والغرفات، {أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]؛ أي: لأرواحهم الطيبين الظاهرين قبل التلوث بقذر المخالفات، فإن
{ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ } [النور: 26]، "فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب" ، وإنهم لما أشركوا تنجسوا، فإن المشركين نجس، فحرموا من تلك الطيبات، وصدوا عن سبيل الله وكفروا به، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ} [النساء: 161]؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم بهذه المخالفات، {عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 161]، بالحرمان عن الدرجات والقربات.
{لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} [النساء: 162]؛ أي: من الذين هادوا، والراسخون في العلم؛ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية الدينية، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه فإنه كان عالماً في النورية وقد قرأ فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان راسخاً في العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة، فقال: لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت بأنه ليس بوجه كاذب فآمن به، ولما لم يكن للأحبار رسوخ في العلم وإن قرأوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في النورية فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفوه فكفروا به، كقوله تعالى: فلما جاءهم {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} [النساء: 162] مؤمني أهل الكتاب، ووصفهم بقوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 162]، والأجر العظيم هو المسبوق بالعناية الأزلية، وهو ثمرة بذر رشاش النور في بدء الخلقة، وقدر عظيم الأجر لكل واحد على قدر كمالية الثمرة وبلاغتها، فافهم جيداً.