التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٤٩
ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً
٥٠
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً
٥١
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
٥٢
-النساء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عمن زكى نفسه ونسي أمه بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 49]، إشارة في الآيتين: إن الذين يزكون أنفسهم من أهل العلوم الظاهرة بالعلم، ويباهون به العلماء ويمارون به السفهاء لا تتزكى أنفسهم بمجرد تعلم العلم؛ بل يحصل لهم ذلك صفات أخرى من المذمومات مثل: المباهاة والمماراة، والمجادلة والمفاخرة، والعجب والكبر، والحسد والرياء، وحب الجاه والرياسة، وطلب الاستيلاء والغلبة على الأقران وإيذائهم وأمثال ذلك، فينقم هذه المذمات مع سائر الصفات النفسانية، وتزيد في أمارية النفس بالسوء، وتمردها عن الحق، {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النساء: 49]، لا بتزكية، وتهيأ لها بتسليم النفس إلى أرباب التزكية وهم العلماء الراسخون والمشايخ المحققون، كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فمن سلم نفسه للتزكية ويصبر على تصرفاته ويسعى إلى إشاراته ولا يتعرض على معاملاته ويقاسي شدائد أعمال التزكية فقد أفلح بما تزكى، {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49]؛ يعني: ولا يضيقون ما عملوا في التزكية بمقدار القيل، بل يرون آثره في تزكية نفوسهم، يدل عليه قوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [الزلزلة: 7-8].
{ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ} [النساء: 50]، في ادعاء تزكية أنفسهم بمجرد تحصيل العلم، وما سلكوا طريق الله في تزكية النفس بتسليمها إلى مزكيها وهي النبي صلى الله عليه وسلم في أيام حياته، كما قال تعالى:
{ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ } [الجمعة: 2]، وبعده هم العلماء الذين أخذوا التزكية ممن أخذوا منه قرناً بعد قرن من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان إلى يومنا، ولعمري أنهم في هذا الزمان أعز من الكبريت الأحمر، {وَكَفَىٰ بِهِ} [النساء: 50]، بإدعاء التزكية لنفسه أو تعليم التزكية لغيره {إِثْماً} [النساء: 50]، للمدعين باطلاً في هذا المعنى {مُّبِيناً} [النساء: 50]، ظاهر الكذب دعواهم على أعمالهم وأحوالهم.
ثم أخبر عن إمارات كذبهم في دعويهم وعلاماته بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ} [النساء: 51]، إشارات في الآيات: إن من أوتي نصيباً من العلوم الظاهرة ولم يؤت نصيباً من العلوم الباطنة، لا بد وأن يؤمن بجبت النفس الأمارة بالسوء طاغوت الهوى، فيصدقها فيما يأمرانه وينهيانه بالإعراض عن الحق وطلبه والإقبال على الدنيا وزخارفها، وبهذا يخرجانه من نور الهداية إلى ظلمات الضلالة، يدل عليه قوله تعالى:
{ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ } [البقرة: 257]، وقال تعالى: { أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } [الفرقان: 43] وأضله الله على علم، وقال تعالى: { وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } [ص: 26]، وهذا كما كان إبليس، فإنه أول نوعاً من العلوم الظاهرة حتى استكبر بها وقال: { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ص: 76]، فلما لم يكن أدنى شيئاً من العلوم الباطنة بالنسبة إليه ليغرس في آدم عليه السلام بشرف علم الأسماء واختصاصه، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [الحجر: 29]، وليفهم من قوله تعالى: { إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30]، كمالية مرتبة الخلافة كان حاصله من مجرد علمه الظاهر الإباء والاستكبار والكفر واللعن والطرد، والإغراء والإضلال، ومن أضلاء المحرومين من دولة علم الباطن المغرورين بعلم الظاهر قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 51]، من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ومن يعبد الهوى والدنيا، المناسبة فيما بينهم من عبادة الهوى والدنيا {هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 51]، صدقوا الرسل فيما أمروهم بالإقبال على الله والإعراض عن الدنيا وأهلها، {سَبِيلاً } [النساء: 51]، طريق الحق؛ لأنهم لا يعرفون الباطل من الحق واتخذوا الحق باطلاً والباطل حقّاً.
ثم أخبر عن سبب خذلان من يظهر على أعماله هذه الإمارات ويوجد من أحواله هذه العلامات بقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} [النساء: 52]؛ يعني: هم الذين لم يؤمنوا بما نزلنا على الأولياء من العلوم اللدنية الذين أودعناهم الطمس واللعن بقوله تعالى:
{ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ } [النساء: 47]، فلما أصروا على الجحود والإنكار والإباء والاستكبار أدركتهم اللعنة والطمس وشوهت صورتهم، كما أدركت إبليس وشوهت صورته، فظهرت منهم هذه الأفعال والأحوال {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [النساء: 52]؛ يعني: من أصابته لعنة الله أبطلت استعداده وقبول الحق فيبقى في إنكاره وجحوده، فلم تجد له نصيراً من الأنبياء والأولياء ليعادله ويخرجه من هذه الظلمات.